فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
حكى الواحدي عن المفسرين وأهل المعاني أن ﴿هَلُ﴾ هنا بمعنى قد، وليس باستفهام، وقد قال بهذا سيبويه والكسائي والفراء وأبو عبيدة. قال الفراء : هل تكون جحداً وتكون خبراً فهذا من الخبر لأنك تقول : هل أعطيتك تقرّره بأنك أعطيته، والجحد أن تقول : هل يقدر أحد على مثل هذا وقيل : هي وإن كانت بمعنى قد ففيها معنى الاستفهام، والأصل : أهل أتى، فالمعنى : أقد أتى، والاستفهام للتقرير والتقريب، والمراد بالإنسان هنا آدم، قاله قتادة والثوري وعكرمة والسديّ وغيرهم ﴿حِينٌ مّنَ الدهر﴾ قيل : أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح. وقيل : إنه خلق من طين أربعين سنة، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة، ثم من صلصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة. وقيل : الحين المذكور هنا لا يعرف مقداره. وقيل المراد بالإنسان بنو آدم، والحين مدّة الحمل، وجملة :﴿لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ في محل نصب على الحال من الإنسان، أو في محل رفع صفة لحين. قال الفراء وقطرب وثعلب : المعنى أنه كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً لا يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً. وقال يحيى بن سلام : لم يكن شيئًا مذكوراً في الخلق، وإن كان عند الله شيئًا مذكوراً. وقيل : ليس المراد بالذكر هنا الإخبار، فإن إخبار الربّ عن الكائنات قديم، بل هو الذكر بمعنى الخطر والشرف، كما في قوله :﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. قال القشيري : ما كان مذكوراً للخلق وإن كان مذكوراً لله سبحانه. قال الفراء : كان شيئًا ولم يكن مذكوراً. فجعل النفي متوجهاً إلى القيد. وقيل المعنى : قد مضت أزمنة وما كان آدم شيئًا ولا مخلوقاً ولا مذكوراً لأحد من الخليقة. وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره : هل أتى حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكوراً، لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق بعده حيوان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ قال : كل إنسان. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله :﴿أَمْشَاجٍ﴾ قال : أمشاجها عروقها. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم ﴿أَمْشَاجٍ﴾ قال : العروق. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ قال : ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال :﴿أَمْشَاجٍ﴾ ألوان : نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار ومنه يكون الولد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ قال : فاشياً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عنه أيضاً في قوله :﴿وَأَسِيراً﴾ قال : هو المشرك. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في قوله :﴿مِسْكِيناً﴾ قال :«فقيراً ﴿وَيَتِيماً﴾ قال لا أب له ﴿وَأَسِيراً﴾ قال : المملوك والمسجون». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام﴾ الآية قال : نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله ﷺ. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿يَوْماً عَبُوساً﴾ قال : ضيقاً ﴿قَمْطَرِيراً﴾ قال : طويلاً. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك عن النبيّ ﷺ في قوله :﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ قال :«يقبض ما بين الأبصار». وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال : القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه. وأخرج ابن المنذر عنه ﴿ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ قال : نضرة في وجوههم وسروراً في صدورهم.