التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وذكر - سبحانه - ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله...﴾ بدل من قوله :﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ لأن ماءها فى بياض الكافور وفى رائحته وبرودته.
أى : أن الأبرار يشربون من كأس، ماؤها ينبع من عين فى الجنة، هذا الماء له بياض الكافور ورائحته وبرودته.
وعدى فعل " يشرب " بالباء، التى هى باء الإِلصاق، لأن الكافور يمزج به شرابهم. أى ؛ عينا يشرب عباد الله ماءهم وخمرهم بها. أى : مصحوبا بمائها وخمرها.
ومنهم من جعل الباء هنا بمعنى من التبعيضية. أى : عينا يشرب من بعض مائها وخمرها عباد الله، وهم الأبرار.
وعبر عنهم بذلك لتشريفهم وتكريمهم، حيث أضافهم - سبحانه - إلى ذاته.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم وصل فعل الشرب بحرف الابتداء أولا، وبحرف الإِلصاق آخرا ؟ قلت : لأن الكأس مبدأ شربهم وأول غايته، وأما العين فبها يمزجون شرابهم، فكأن المعنى : يشرب عباد الله بها الخمر، كما تقول : شربت الماء بالعسل..
وقوله - سبحانه - :﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ صفة أخرى للعين، أى : يسيرونها ويجرونها إلى حيث يريدون، وينتفعون بها كما يشاؤون، ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يتوجهون إليه.
فالتعبير بقوله :﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ إشارة إلى كثرتها وسعتها وسهولة حصولهم عليها يقال : فجَّر فلان الماء، إذا أخرجه من الأرض بغزارة ومنه قوله - تعالى - ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى