تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨:وقوله :﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قيل : على حب الله تعالى. وجعلوا الضمير عائدًا إلى الله عز وجل لدلالة السياق عليه. والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي : ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قاله مجاهد، ومقاتل، واختاره ابن جرير، كقوله تعالى :﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وكقوله تعالى :﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
وروى البيهقي، من طريق الأعمش، عن نافع قال : مرض ابن عمر فاشتهى عنبا - أول ما جاء العنب - فأرسلت صفية - يعني امرأته - فاشترت عنقودًا بدرهم، فاتبع الرسولَ السائل، فلما دخل به قال السائل : السائل. فقال ابن عمر : أعطوه إياه. فأعطوه إياه. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودًا فاتبع الرسولَ السائلُ، فلما دخل قال السائل : السائل. فقال ابن عمر : أعطوه إياه. فأعطوه إياه. فأرسلت صفية إلى السائل فقالت : والله إن عُدتَ لا تصيبُ منه خيرًا أبدًا. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به(١).
وفي الصحيح :" أفضل الصدقة أن تَصَدّقَ وأنت صحيح، شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر " (٢) أي : في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه ؛ ولهذا قال تعالى :﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ أما المسكين واليتيم، فقد تقدم بيانهما وصفتهما. وأما الأسير : فقال سعيد بن جبير، والحسن، والضحاك : الأسير : من أهل القبلة. وقال ابن عباس : كان أسراؤهم يومئذ مشركين. ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء، وهكذا قال سعيد بن جبير، وعطاء، والحس، وقتادة.
وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث، حتى إنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول :" الصلاةَ وما ملكت أيمانكم " (٣).
وقال عكرمة : هم العبيد - واختاره ابن جرير - لعموم الآية للمسلم والمشرك.
١ - (٣) السنن الكبرى للبيهقي (٤/١٨٥)..
٢ - (٤) صحيح مسلم برقم (١٠٣٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٣ - (١) رواه أحمد في المسند (١/٧٨) من حديث على رضي الله عنه..


أي : رجاءَ ثواب الله ورضاه ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ أي : لا نطلب منكم مجازاة تكافئونا بها ولا أن تشكرونا عند الناس.
قال مجاهد وسعيد بن جبير : أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى