تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٩ : وقوله تعالى :﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ قرئ بنصب(١) الباء ورفعها، وكلا القراءتين في المعنى واحد ؛ إن كان في الظاهر، إحداهما للجمع، والأخرى للوحدان، وإحدى القراءتين بحرف الجمع فيذكر بالرفع ؛ فإن قوله :﴿لتركبن﴾ منصرف إلى كل إنسان في نفسه خاصة لا على الاقتصار على شخص واحد لما ليس في قوله عز وجل :﴿يا أيها الإنسان إنك كادح﴾ [ الآية ٦ ] إشارة إلى شخص بعينه، ولكن المراد منه الجملة، فثبت أن الخطاب منصرف إلى الجملة.
ثم قوله تعالى :﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ قيل : حالا بعد حال. ثم جائز أن يصرف إلى دار الآخرة، فكأنه قال : لتركبن حال الآخرة بعد حال الدنيا، فيكون فيه تصريح القول على إيجاب البعث.
ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا ؛ فينتقل إلى حال المضغة بعد كونه [ نطفة وإلى ](٢) حال العلقة وإلى حال الطفولة إلى أن يبلغ أشده، فلا يزال يركب حالة بعد حالة، فيكون في نقله من حال إلى حال إبانة أنه لم يرد من إنشائه أن تتغير عليه الأحوال فقط، بل أريدت العاقبة التي بها صار إنشاء الخلق حكمة لا عبثا، فيكون قوله :﴿لتركبن﴾ منصرفا إلى كل إنسان في نفسه خاصة لا على الاقتصار على شخص واحد لما ذكرنا.
ومنهم من قال : إنما أراد بهذا الخطاب رسول الله ﷺ ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه وعن ابن مسعود رضي الله عنه.
ولكن قال ابن مسعود رضي الله عنه : لتركبن يا محمد، وقال ابن عباس رضي الله عنه : لتركبن السماء حالا بعد حال.
فإن كان التأويل على ما ذكره ابن مسعود رضي الله عنه ففيه بشارة بإسلام قومه وإجابتهم له، فيقول : إنهم سيطلعونك، ويصيرون لك أنصارا بعد صدهم الناس عن الإيمان وجفوتهم إياك.
ومن قال : لتركبن سماء بعد سماء فيقول : ذلك ليلة أسري به.
والتأويل الأول أقرب لأن موقع/٦٣٤ – أ/ القسم في قوله تعالى : لتركبن، والإسراء لم يكن يعرفه قومه حتى يكون في ذكره دفع الاشتباه عن أولئك القوم.
فأما ظهور الإسلام وعلو النبي على أعدائه فمما يشاهده الناس، فيتحقق في الآخرة ما أخبر النبي ﷺ عن الغيب، فيكون تأكيدا لرسالته. فلذلك قلنا : إن الحمل على المعنى الأول أحق، والله أعلم.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٨/١٠٣..
٢ في الأصل وم: مضفة إلى..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى