اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
واعلم أنه تعالى، لمَّا أمر بأن لا يذكر، ولا ينادى، إلا بأسمائه الحسنى، علَّم كيفيَّة التمجيد ؛ فقال :
﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل﴾.
فذكر ثلاثة أنواع من صفات التنزيه والجلال :
الأول : أنه لم يتخذ ولداً، والسَّببُ فيه وجوهٌ :
أولها : أنَّ الولد هو الشيء المتولِّد من أجزاء ذلك الشيء، فكلُّ من له ولدٌ، فهو مركبٌ من الأجزاء، والمركَّب محدثٌ، والمحدث محتاجٌ ؛ لا يقدر على كمال الإنعامِ ؛ فلا يستحقُّ كمال الحمدِ.
وثانيها : أنَّ كل من له ولدٌ، فهو يمسك جميع النِّعم لولده، فإذا يكن له ولدٌ، أفاض كلَّ النِّعم على عبيده.
وثالثها : أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه، فلو كان له ولد، لكان منقضياً فانياً، ومن كان كذلك، لم يقدر على كمال الإنعام في جميع الأوقات ؛ فوجب ألاَّ يستحقَّ الحمد على الإطلاق.
وهذه الآية ردٌّ على اليهود في قولهم ﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]، وردٌّ على النصارى في قولهم ﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] وعلى مشركي العرب في قولهم :" المَلائِكةُ بنَاتُ الله ".
والنوع الثاني من الصفات السلبية قوله :﴿وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك﴾.
والسَّببُ في اعتبار هذه الصفة : أنَّه لو كان له شريكٌ، فلا يعرف كونه مستحقًّا للحمد والشُّكر.
والنوع الثالث : قوله :﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل﴾.
والسببُ في اعتباره : أنه لو جاز عليه وليٌّ من الذلِّ، لم يجب شكره ؛ لتجويز أن يكون غيره حمله على ذلك الإنعام.
أما إذا كان منزَّهاً عن الولد، وعن الشَّريك، وعن أن يكون له وليٌّ يلي أمرهُ، كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد والشُّكر.
قوله :﴿مِّنَ الذل﴾ : فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها صفة ل " وليّ "، والتقدير : وليٌّ من أهل الذلِّ، و المراد بهم : اليهود والنصارى ؛ لأنهم أذلُّ الناس.
والثاني : أنها تبعيضية.
الثالث : أنها للتعليل، أي : من أجل الذلِّ، وإلى هذين المعنيين نحا الزمخشريُّ فإنه قال :" وليٌّ من الذلِّ : ناصر من الذلِّ، ومانع له منه ؛ لاعتزازه به، أو لم يوالِ أحداً لأجل مذلَّة به ؛ ليدفعها بموالاته ".
وقد تقدَّم الفرق بين الذُّلِّ والذِّلّ في أول هذه السورة [ الآية : ٢٤ ].

فصل في معنى قوله :﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾


معنى قوله :﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾، أي : أنَّ التمجيد يكون مقروناً بالتكبير، والمعنى : عظِّمه عن أن يكون له شريكٌ، أو وليٌّ ؛ قال - عليه الصلاة والسلام - " أحَبُّ الكلام إلى الله تعالى أربع : لا إله إلا الله، و الله أكبر، وسبحان الله، والحمدُ لله لا يضرك بأيِّهنَّ بدأت " (١).
١ أخرجه مسلم (٣/١٦٨٥) كتاب الأدب: باب كراهية التسمية بالأسماء القبيحة ونحوه (١٢/٢١٣٧). من حديث سمرة بن جندب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى