تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية١٣ : وقوله تعالى :﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ اختلف في قوله :﴿طائره﴾ قال بعضهم : طائره شقاوته وسعادته ورزقه وعيشه. وقال بعضهم : عمله الذي عمل من خير أو شر. وقال بعضهم : حظه ونصيبه من عمله، وهو جزاؤه، ونحو ذلك، ( ذلك ) (١) كله يرجع إلى معنى واحد، لأنه إنما يسمع ( الإنسان ) (٢) ويشقى بعمله الذي يعمله وكذلك بجزاء (٣) عمله.
و لذلك قال الحسن في تأويل قوله :﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾( المؤمنون : ١٠٦ )أي بأعمالنا التي عملناها، ثم تخرج تسمية العمل وما ذكروا طائرا لوجهين :
أحدهما : على وجه التفاؤل والطيرة ؛ كانوا يتفاءلون، ويتطيرون بأشياء : بالطائر وغيره، ويقولون : جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له بكذا من الشر على طريق الفأل والطيرة، فخاطبهم على ما يستعملون، وأخبر أن ذلك يلزم أعناقهم، وهو ما قال الله تعالى :﴿يطيروا بموسى ومن معه﴾( الأعراف : ١٣١ ) وقوله (٤) ﴿فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه﴾( الأعراف : ١٣١ )وقوله أيضا :﴿قالوا أطيرنا بك وبمن معك﴾الآية { النمل : ٤٧ )ونحوه.
والثاني : سمى الأعمال التي عملوها طائرا لما أن الذي يتولد منه تلك الأعمال كالطائر، وهو الهمة ؛ أولا : يخطر ( ببال الإنسان شيء، وفي )(٥) الإخطار لا صنع له فيه، ثم يهتم، ثم تبعث الهمة على الإرادة، ثم الإرادة، تبعث على الطلب والعمل، فالهمة التي في النفس التي تتولد منها الأعمال كالطائر، فسماه باسمه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿في عنقه﴾ يحتمل ( وجهين :
أحَدُهما )(٦) : أن يكون العنق كناية عن النفس أي ألزمناه نفسه. وذلك جائز ؛ يقال : هذا لك علي، وفي عنقي.
والثاني :/٢٩٧-ب/ ( أن يكون ) (٧) ذكر العنق كما يقول الرجل لآخر إذا أراد التخلص ( من )(٨)عمل : قَلَّدتُك هذا العمل، وجعلته في عنقك، أي تكون أنت المأخوذ به إثما إن كان في ذلك شر، وأنت المأجور به المثاب إن كان فيه خير. والمعنى في قوله :﴿وكل إنسان ألزمته طائره في عنقه﴾ أي لا يؤخذ عيره بعمله وشقاوته، ولكن هو مأخوذ به، وهو ما قال :﴿من اهتدى فإنما يهدي لنفسه﴾( الإسراء : ١٥و. . )وقوله :﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾( الإسراء : ١٥و. . )هذه الآيات الثلاث، معناها واحد، وهو ما ذكرنا : ألا يؤخذ غيره بعمله(٩)، ولا تحمل نفس خطيئة أخرى ولا وزرها، ولكن كل نفس، هي تحمل خطيئة نفسها.
وقوله تعالى :﴿ويخرج له يوم القيامة كتابا منشورا﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : أي يجعل ما ألزم عنقه ﴿كتابا يلقاه منشورا﴾.
والثاني : أي يجعله ما ألزم عنقه ﴿كتابا﴾.
١ في م: فذلك، ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من الأصل و. م..
٣ الباء ساقطة من الأصل و. م..
٤ في الأصل و. م: وكقوله..
٥ في الأصل و. م: بباله شيئا ففي..
٦ ساقطة من الأصل و. م..
٧ ساقطة من الأصل و. م..
٨ ساقطة من الأصل و. م..
٩ في الأصل و. م: بعمل آخر..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى