البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿اقرأ كتابك﴾ معمول لقول محذوف أي يقال له :﴿اقرأ كتابك﴾.
وقال قتادة : يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئاً.
وقال الزمخشري وغيره :
و ﴿بنفسك﴾ فاعل ﴿كفى﴾ انتهى.
وهذا مذهب الجمهور والباء زائدة على سبيل الجواز لا اللزوم، ويدل عليه أنه إذا حذفت ارتفع ذلك الاسم بكفى.
قال الشاعر :
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً. . .
وقال آخر :
ويخبرني عن غائب المرء هديهكفى الهدي عما غيب المرء مخبرا
وقيل : فاعل ﴿كفى﴾ ضمير يعود على الاكتفاء، أي كفى هو أي الاكتفاء بنفسك.
وقيل :﴿كفى﴾ اسم فعل بمعنى اكتف، والفاعل مضمر يعود على المخاطب، وعلى هذين القولين لا تكون الباء زائدة.
وإذا فرعنا على قول الجمهور أن ﴿بنفسك﴾ هو فاعل ﴿كفى﴾ فكان القياس أن تدخل تاء التأنيث لتأنيث الفاعل، فكان يكون التركيب كفت بنفسك كما تلحق مع زيادة من في الفاعل إذا كان مؤنثاً، كقوله تعالى :﴿ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها﴾ وقوله :﴿وما تأتيهم من آية﴾ ولا نحفظه جاء التأنيث في كفى إذا كان الفاعل مؤنثاً مجروراً بالباء، والظاهر أن المراد ﴿بنفسك﴾ ذاتك أي ﴿كفى﴾ بك.
وقال مقاتل : يريد بنفسه جوارحه تشهد عليه إذا أنكر.
وقال أبو عبيدة أي ما أشد كفاية ما عملت بما علمت.
﴿واليوم﴾ منصوب بكفى و ﴿عليك﴾ متعلق بحسيباً.
ومعنى ﴿حسيباً﴾ حاكماً عليك بعملك قاله الحسن.
قال : يا ابن آدم لقد أنصفك الله وجعلك حسيب نفسك.
وقال الكلبي : محاسباً يعني فعيلاً بمعنى مفاعل كجليس وخليط.
وقيل : حاسباً كضريب القداح أي ضاربها، وصريم بمعنى صارم يعني أنه بناء مبالغة كرحيم وحفيظ، وذكر ﴿حسيباً﴾ لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير، لأن الغالب أن هذه الأمور يتولاها الرجل، وكأنه قيل : كفى بنفسك رجلاً حسيباً.
وقال الأنباري : وإنما قال ﴿حسيباً﴾ والنفس مؤنثة لأنه يعني بالنفس الشخص، أو لأنه لا علامة للتأنيث في لفظ النفس، فشبهت بالسماء والأرض قال تعالى :﴿السماء منفطر به﴾ وقال الشاعر :
ولا أرض أبقل ابقالها. . .

تفسير هذه الآية من كتب أخرى