بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
وقوله :﴿اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أي : شاهداً. ويقال : محاسباً. لما ترى فيه كل حسنة، وسيئة محصاة عليك. قال ابن عباس : فإن كان مؤمناً، أعطي كتابه بيمينه وهي صحيفة يقرأ سيئاته في باطنها، وحسناته في ظاهرها. فيجد فيها : عملت كذا وكذا وصنعت كذا وكذا، وقلت كذا وكذا، في سنة كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا، وفي ساعة كذا وكذا، وفي مكان كذا وكذا. فإذا انتهى إلى أسفلها، قيل له : قد غفرها الله لك. اقرأ ما في ظهرها فيقرأ حسناته، فيسره ما يرى فيها، ويشرق لونه، عند ذلك يقول :﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كتابيه﴾ [الحاقة: ١٩]. قال : ويعطى الكافر بشماله، ويقرأ حسناته في باطنها، وسيئاته في ظاهرها. فإذا انتهى إلى آخره، قيل له : هذه حسناتك قد ردت عليك. اقرأ ما في ظهرها. فيرى فيها سيئاته، قد حفظت عليه كل صغيرة وكبيرة فيسوءه ذلك، ويسود وجهه، وتزرق عيناه، ويقول عند ذلك :﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ ياليتنى لَمْ أُوتَ كتابيه﴾ [الحاقة: ٢٥] وهو قوله :﴿كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أي : حفيظاً. وقال مقاتل : وذلك حين جحد، فختم على لسانه، وتكلمت جوارحه. فشهدت جوارحه على نفسه، وذلك قوله :﴿كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أي : شهيداً. فلا شاهد عليك أفضل من نفسك.