الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ : هذه استِعارةٌ بليغة، قيل : وذلك أنَّ الطائرَ إذا أراد الطيرانَ نَشَرَ جناحَيْه ورَفَعَهما ليرتفعَ، وإذا أراد تَرْكَ الطيران خَفَضَ جناحيه، فجعلَ خَفْضَ الجناحِ كنايةً عن التواضعِ واللِّين. قال الزمخشري :" فإنْ قلتَ : ما معنى جَناح الذُّل ؟ قلت : فيه وجهان، أحدُهما : أن يكونَ المعنى : واخفِضْ لهما جناحَك كما قال :" واخفِضْ جناحَك للمؤمنين " فأضافه إلى الذُّل أو الذِّل كما أَضيف حاتمٌ إلى الجودِ على معنى : واخفِضْ لهما جناحَك الذليلَ أو الذَّلولَ. والثاني : أن تَجعلَ لذُلِّه أو لذِلِّه جناحاً خفيضاً، كما جعل لبيد للشَمال يداً وللقَرَّةِ زِماماً- في قوله :
وغداةِ ريحٍ قد كَشَفْتُ وقَرَّةٍإذ أصبحَتْ بيدِ الشَمال ؟ِ زِمامُها
مبالَغةً في التذلُّل والتواضع لهما " انتهى. يعني أنه عبَّر عن اللينِ بالذُّلِ، ثم استعار له جناحاً، ثم رشَّح هذه الاستعارةَ بأَنْ أمرَه بخفضِ الجَناح.
ومِنْ طريفِ ما يُحكى : أن أبا تمام لَمَّا نظَم قوله :
لا تَسْقِني ماءَ المَلام فإننيصَبٌّ قد اسْتَعْذَبْتَ ماء بكائي
جاءه رجلٌ بقَصْعةٍ وقال له : أَعْطني شيئاً من ماء المَلام. فقال : حتى تأتيَني بريشةٍ مِنْ جَناح الذُّلِّ " يريد أن هذا مجازُ استعارةٍ كذاك. وقال بعضهم :
أراشُوا جَناحِيْ ثم بَلُّوه بالنَّدىفلم أَسْتَطِعْ مِنْ أَرْضِهم طَيَرانا
وقرأ العامَّةُ " الذُّلِّ " بضم الذَّال، وابن عباس في آخرين بكسرها، وهي استعارةٌ ؛ لأنَّ الذِّلَّ في الدوابِّ لأنه ضدُّ الصعوبة، فاستعير للأناسيِّ، كما أن الذُّلَّ بالضمَّ ضدُّ العِزِّ.
قوله :﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها : أنها للتعليل فتتعلق ب " اخفِضْ "، أي : اخفِضْ مِن أجل الرحمة. والثاني : أنها لبيانِ الجنس. قال ابنُ عطية :" أي : إنَّ هذا الخفضَ يكون من الرحمة المستكنَّة في النفس ". الثالث : أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْ " جَناح ". الرابع : أنها لابتداءِ الغاية. قوله :﴿كَمَا رَبَّيَانِي﴾ في هذه الكافِ قولان، أحدهما : أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوف، فقدَّره الحوفيُّ :" ارْحَمْهما رحمةً مثلَ تربيتِهما لي ". وقدَّره أبو البقاء :" رحمةً مثلَ رحمتِهما "، كأنه جعل التربيةَ رحمةً. الثاني : أنها للتعليل، أي : ارْحَمْهما لأجلِ تربيتِهما كقولِه :﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى