البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
﴿ولا تقربُوا مالَ اليتيم﴾ فضلاً عن أن تتصرفوا فيه ﴿إِلا بالتي هي أحسنُ﴾ ؛ إلا بالطريقة التي هي أحسن، كالحفظ والتنمية، ﴿حتى يبلغ أشُدَّه﴾ ؛ حتى يتم رشده، ثم يدفع له، فإن دفعه لمن يتصرف فيه بالمصلحة فلا بأس، ﴿وأوفُوا بالعهد﴾ إذا عاهدتم الله أو الناس، ﴿إِن العهد كان مسؤولاً﴾ أي : مطلوبًا الوفاء به، فيطلب من المعاهد ألا يُضيعه، أو : مسؤولاً عنه، فيُسأل عنه الناكث ويُعاتب عليه، أو : يُسأل العهد نفسُه لِمَ نكثْتَ، تبكيتًا للناكث.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : ولا تقتلوا ما أنتجته الأفكار الصافية من العلوم ؛ بإهمال القلوب في طلب رزق الأشباح، خشية لحوق الفقر، فإنَّ الله ضامن لرزق الأشباح والأرواح. ولا تميلوا إلى الحظوظ، التي تُخرجكم عن حضرة الحق ؛ فإن ذلك من أقبح الفواحش. ولا تقتلوا النفس بتوالي الغفلة والجهل، التي حرَّم الله قتلها وإهمالها، وأمر بإحيائها بالذكر والعلم، ومن قُتل بذلك مظلومًا ؛ بحيث غلبته نفسه، ولم تساعده الأقدار، فقد جعلنا لعقله سلطانًا، أي : تسلطًا عليها ؛ بمجاهدتها وقتلها وردها إلى مولاها، فلا يُسرف في قتلها، بل بسياسة وحيلة، كما قال القائل :
إنه كان منصورًا، إن انتصر بمولاه، وآوى بها إلى شيخ كامل، قد فرغ من تأديب نفسه وهواه. وقد تقدم باقي الإشارة في سورة الأنعام(١) وغيرها. وبالله التوفيق.
| واحْتَلْ عَلَى النَّفْسِ فرُبَّ حِيلَهْ | أَنْفَعُ فِي النُّصْرِة منْ قَبِيلهْ |