البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً﴾ تقدم تفسيره في أوائل الأنعام ﴿وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده﴾.
قيل :" دخل ملأ قريش على أبي طالب يزورونه، فدخل رسول الله ﷺ فقرأ ومر بالتوحيد، ثم قال :«يا معشر قريش قولوا لا إله إلاّ الله تملكون بها العرب وتدين لكم العجم » فولوا وأنفروا " فنزلت هذه الآية.
والظاهر أن الآية في حال الفارّين عند وقت قراءته ومروره بتوحيد الله، والمعنى إذا جاءت مواضع التوحيد فرّ الكفار إنكاراً له واستبشاعاً لرفض آلهتهم واطّراحها.
وقال الزمخشري : وحد يحد وحداً وحدة نحو وعد يعد وعداً وعدة و ﴿وحده﴾ من باب رجع عوده على بدئه وافعله جهدك وطاقتك في أنه مصدر ساد مسدّ الحال، أصله يحد وحده بمعنى واحداً انتهى.
وما ذهب إليه من أن ﴿وحده﴾ مصدر ساد مسد الحال خلاف مذهب سيبويه و ﴿وحده﴾ عند سيبويه ليس مصدراً بل هو اسم وضع موضع المصدر الموضوع موضع الحال، فوحده عنده موضوع موضع إيحاد، وإيحاد موضوع موضع موحد.
وذهب يونس إلى أن ﴿وحده﴾ منصوب على الظرف، وذهب قوم إلى أنه مصدر لا فعل له، وقوم إلى أنه مصدر لأوحد على حذف الزيادة، وقوم إلى أنه مصدر لوحد كما ذهب إليه الزمخشري وحجج هذه الأقوال مذكورة في كتب النحو.
وإذا ذكرت ﴿وحده﴾ بعد فاعل ومفعول نحو ضربت زيداً فمذهب سيبويه أنه حال من الفاعل، أي موحداً له بالضرب، ومذهب المبرد أنه يجوز أن يكون حالاً من المفعول فعلى مذهب سيبويه يكون التقدير ﴿وإذا ذكرت ربك﴾ موحداً له بالذكر وعلى مذهب أبي العباس يجوز أن يكون التقدير موحداً بالذكر.
و ﴿نفوراً﴾ حال جمع نافر كقاعد وقعود، أو مصدر على غير المصدر لأن معنى ﴿ولوا﴾ نفروا، والظاهر عود الضمير في ﴿ولوا﴾ على الكفار المتقدم ذكرهم.
وقالت فرقة : هو ضمير الشياطين لأنهم يفرون من القرآن دل على ذلك المعنى وإن لم يجر لهم ذكر.
وقال أبو الحوراء أوس بن عبد الله : ليس شيء أطرد للشيطان من القلب من لا إله إلاّ الله ثم تلا ﴿وإذا ذكرت﴾ الآية.
وقال علي بن الحسين : هو البسملة

تفسير هذه الآية من كتب أخرى