اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لما ذكر إنعامه على بني إسرائيل بإنزالِ التوراة، وبأنه جعل التوراة هدًى لهم، بيَّن أنهم ما اهتدوا بهداه، بل وقعوا في الفساد، فقال :﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب﴾ والقضاء في اللغة عبارةٌ عن وضع الأشياء عن إحكام، ومنه قوله :﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢].
وقول الشاعر :[ الكامل ]
وعَليْهِمَا مَسْرُودَتانِ قَضاهُمَا ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١)
ويكون أمراً ؛ كقوله تعالى :﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣].
ويكون حكماً ؛ كقوله :﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٩٣] ويكون خلقاً ؛ كقوله :﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ومعناه [ في ] الآية : أعْلَمنَاهُم، وأخْبرنَاهُم فيما آتيْناهُم مِنَ الكُتبِ أنه سَيُفسِدُونَ.
وقال ابن عباس وقتادة :" وقَضَيْنَا عليهم " (٢).
و " إلى " بمعنى " على " والمراد بالكتاب اللَّوح المحفوظ.
و " قَضَى " يتعدَّى بنفسه :﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل﴾ [القصص: ٢٩]، وإنما تعدَّى هنا ب " إلى " لتضمُّنه معنى : أنْفَذْنَا وأوْحَينَا، أي : وأنفذنا إليهم بالقضاء المحتومِ. ومتعلق القضاء محذوفٌ، أي : بفسادهم.
وقوله " لتُفْسِدُنَّ " جواب قسمٍ محذوف تقديره : والله لتُفسدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتينِ وهذا القسم مؤكدٌ لمتعلق القضاء.
ويجوز أن يكون " لتُفْسِدُنَّ " جواباً لقوله :" وقَضيْنَا "، لأنه ضمِّن معنى القسم، ومنه قولهم :" قضَاءُ الله لأفعلنَّ " فيجرُون القضاء والنَّذرَ مجرى القسمِ، فيُتلقَّيان بما يُتَلقَّى به القسمُ.
والعامة على(٣) توحيد " الكِتابِ " مراداً به الجنس، وابن جبيرٍ وأبو العالية " في الكُتُب " جمعاً، جَاءُوا به نصًّا في الجمع.
وقرأ العامة بضمِّ التاء وكسر السِّين مضارع " أفْسَدَ "، ومفعوله محذوف تقديره : لتُفْسِدنَّ الأديان، ويجوز ألا يقدَّر مفعولٌ، أي : لتُوْقعُنَّ الفساد.
وقرأ(٤) ابن عبَّاس ونصرُ بن عليٍّ وجابر بن زيد(٥) " لتُفْسَدُنَّ " ببنائه للمفعولِ، أي : ليُفْسِدنَّكُمْ غَيرُكم : إمَّا من الإضلال أو من الغلبة. وقرأ(٦) عيسى بن عمر بفتحِ التَّاء وضمِّ السين، أي : فَسدتُمْ بأنفسكم.
قوله :" مرَّتينِ " منصوب على المصدر، والعامل فيه " لتُفْسِدُنَّ " لأن التقدير : مرتين من الفساد.
وقوله :" عُلُوًّا " العامة على ضمِّ العين واللام مصدر علا يعلو، وقرأ(٧) زيد بن عليٍّ " عِلياً " بكسرهما والياء، والأصل الواو، وإنما أعِلَّ على اللغة القليلة ؛ وذلك أن فُعولاً المصدر، الأكثر فيه التصحيح ؛ نحو : عَتَا عُتُواً، والإعلال قليلٌ ؛ نحو ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً﴾ [مريم: ٦٩] على أحد الوجهين ؛ كما سيأتي، وإن كان جمعاً، فالكثير الإعلال، نحو :" جِثِيًّا " وشذَّ : بَهْوٌ وبُهُوٌّ، ونَجْوٌ ونُجُوٌّ، وقاسه الفراء.

فصل


معنى ﴿وَقَضَيْنَآ﴾ : أوحينا ﴿إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض﴾، أي بالمعاصي وخلاف أحكام التوراة.
﴿فِي الأرض﴾ يعني أرض الشَّام وبيت المقدس.
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ أي : يكون استعلاؤكم على النَّاس بغير الحقِّ استعلاءاً عظيماً ؛ لأنَّه يقال لكلِّ متكبِّر متجبِّر : قد علا وتعظَّم.
١ تقدم..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٢٩٦) عن ابن عباس وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم..
٣ ينظر: الشواد ٧٤، والبحر ٦/٨ والدر المصون ٤/٣٧١..
٤ ينظر: المحتسب ٢/١٤، والشواذ ٧٥، والكشاف ٢/٦٤٩، والقرطبي ١٠/١٤١، والبحر ٦/٨، والدر المصون ٤/٣٧١..
٥ في أ: يزيد..
٦ ينظر مراجع القراءة السابقة..
٧ ينظر: البحر ٦/٨، والدر المصون ٤/٣٧١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى