البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
قلت :﴿قريباً﴾ : خبر كان، أو ظرف له ؛ على أن " كان " تامة، أي : عسى أن يقع في زمن قريب. و﴿أن يكون﴾ : إما : اسم " عسى " وهي تامة، أو خبرها، والاسم مضمر، أي : عسى أن يكون البعث قريبًا، أو : عسى أن يقع في زمن قريب.
﴿كُونوا حجارة أو حديدًا أو خلقًا﴾ آخر ﴿ممَا يكْبُرُ﴾ أي : يعظم ﴿في صدوركم﴾ عن قبول الحياة، فإنكم مبعوثون ومُعادون لا محالة، أي : لو كنتم حجارة أو حديدًا، أو شيئًا أكبر عندكم من ذلك، وأبعد من الحياة، لقدرنا على بعثكم ؛ إذ القدرة صالحة لكل ممكن. ومعنى الأمر هنا : التقدير، وليس للتعجيز، كما قال بعضهم. انظر ابن جزي، ﴿فسيقولون مَن يُعيدنا﴾ إلى الحياة مرة أخرى، مع ما بيننا وبين الإعادة، من مثل هذه المباعدة ؟ ﴿قل الذي فطركم أول مرةٍ﴾ ولم تكونوا شيئًا ؛ لأن القادر على البدء قادر على الإعادة، بل هي أهون، ﴿فسيُنْغِضُون﴾ ؛ يُحركون ﴿إِليك رؤوسَهم﴾ ؛ تعجبًا واستهزاءً، ﴿ويقولون﴾ ؛ استهزاء :﴿متى هو﴾ أي : البعث، ﴿قل عسى أن يكون قريبًا﴾، فإنَّ كل ما هو آتٍ قريب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : مَن كان قلبه أقسى من الحجارة والحديد، واستغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود جهالته وغفلته، فقُل لهم : كونوا حجارة أو حديدًا، أو خلقًا أكبر من ذلك، فإن الله قادر على أن يُحيي قلوبكم بمعرفته، ويُلينها بعد القساوة، بسبب شرب خمرته. فسيقولون : من يُعيدنا إلى هذه الحالة ؟ قل : الذي فطركم على توحيده أول مرة، حين أقررتم بربوبيته، يوم أخذ الميثاق. فسَيُنْغضون إليك رؤوسهم ؛ تعجبًا واستغرابًا، ويقولون : متى هو هذا الفتح ؟ ! قل : عسى أن يكون قريبًا ؛ يوم يدعوكم إلى حضرته بشوق مقلق، أو خوف مزعج، بواسطة شيخ عارف، أو بغير واسطة، فتستجيبون بحمده ومنته، وتظنون إن لبثتم في أيام الغفلة إلا قليلاً ؛ فتلين قلوبكم، وتطمئن نفوسكم، وتنشرح صدوركم، وتحسن أخلاقكم، فلا تخاطبون العباد إلا بالتي هي أحسن، كما قال تعالى :﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ * ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ * ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى