غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
أما قوله :﴿خلقاً مما يكبر في صدوركم﴾. فالمراد فرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث تستبعد عقولكم كونه قابلاً لوصف الحياة، وعلى هذا لا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء. وقال مجاهد : أراد به السموات والأرض. وعن ابن عباس أنه الموت أي لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله يعيد الحياة إليها. وهذا إنما يحسن على سبيل المبالغة كما يقال : هو روح مجسم أو وجود محض وإلا فالموت عرض وانقلاب الجسم عرضاً محال. وبتقدير التسليم فالموت كيف يقبل الحياة لأن الضد يمتنع أن يقبل الضد. وفي قوله :﴿قل الذي فطركم أول مرة﴾ بيان كافٍ وبرهان شافٍ لأنه لما سلم أن خالق الحيوان هو الله فتلك الأجسام في الجملة قابلة للحياة والعقل وإله العالم عالم بجميع الجزئيات والكليات فلا يشتبه عليه أجزاء بدن كل من الأموات، وإذا قدر على جعلها متصفة بالحياة في أول الأمر فلأن يقدر على إعادتها إلى الحياة في ثاني الحال أولى. ألزمهم أوّلاً بأن البعث أمر ممكن وإن فرضتم بدن الميت أي شيء أردتم فكأنهم سلموا إمكانه ولكن تجاهلوا وتغافلوا عن تعيين المعيد فقالوا :﴿من يعيدنا﴾ فأجاب بأنه الفاطر الأول. ثم زادوا في الاعتراض فسألوا عن تعيين الوقت يقيناً وذلك قوله :﴿فسينغضون إليك رؤوسهم﴾ أي فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء. قال أبو الهيثم : يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إلى فوق وإلى أسفل إنكاراً له أنغض رأسه. قال المفسرون " عسى " من الله واجب فعلم منه قرب وقت البعث، ولكن وقته على التعيين مما استأثر الله بعلمه. لا يقال كيف يكون قريباً وقد انقرض أكثر من سبعمائة سنة ولم يظهر لأنا نقول : كل ما هو آتٍ قريب، وإذا كان ما مضى أكثر مما بقي فإن الباقي قليل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿لا تبتغوا إلى ذي العرش سبيلاً﴾ يشتمل معنيين لأنهم إن كانوا أكبر منه أو أمثالاً له طلبوا طريقاً إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهراً، وإن كانوا أدون منه طلبوا إليه الوسيلة بالخدمة والعبودية على أن الناقص لا يصلح للإلهية وهذا قريب من التفسير :﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت لقوله :﴿فسبحان الذين بيده ملكوت كل شيء﴾ [يس: ٨٣] والملكوت باطن الكون وهو الآخرة، والآخرة حيوان لا جماد لقوله :﴿إن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ [العنكبوت: ٦٤] فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيهاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان يطق الحصى في كف النبي ﷺ وبه تنطق الأرض يوم القيامة ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ { الزلزلة : ٤ ] وبه تنطق الجوارح { أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } [فصلت: ٢١] وبه نطق السموات والأرض ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] ﴿وإنه كان حليماً﴾ في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده ﴿غفوراً﴾ لمن تاب عن كفره :﴿وإذا قرأت القرآن﴾ فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما جاء في الحديث " يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق " قال أبو سليمان الخطابي : جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة. قال المحققون : استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق الله وصفات الله. وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً. لم يقل " ساتراً " لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل مستوراً بالحجاب المنقطع. ﴿ولّوا على أدبارهم﴾ لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون يقبلون الغذاء الصالح، فالحلاوة في مذاقهم مرارة ﴿إذ يقول الظالمون﴾ من ظلمهم لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي ﴿خلقاً مما يكبر في صدوركم﴾ أي لو كانت قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه وتليينه في قيام قيامة العشق ﴿يقولوا التي هي أحسن﴾ من شرف من عبيده، فبتشريف الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله مخلصاً، والفعل الأحسن وهو أن يكون متأدباً بآداب الشريعة والطريقة، والخلق الأحسن وهو أن يكون محسناً إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة ﴿إن الشيطان ينزغ بينهم﴾ إذ لم يعيشوا بالنصيحة. ﴿وآتينا داود زبوراً﴾ فيه أن فضل النبي ﷺ على داود كفضل القرآن على الزبور. ﴿وإن من قرية﴾ من قرى قالب الإنسان ﴿إلا نحن مهلكوها﴾ بموت قلبه وروحه قبل موت قالبه فمن مات فقد قامت قيامته ﴿أو معذبوها﴾ بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير بالله ذوبان الصفات، وفي السير في الله ذوبان الذات :﴿أحاط بالناس﴾ علم مقتضى كل نفس من الخير والشر ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك﴾ كان الوحي يصل إلى النبي ﷺ في مبدأ أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس، فمن وقته يظهر الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر والله أعلم بالصواب.