فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مّن دُونِهِ﴾ هذا ردّ على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، وعلى طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بإلهية عيسى ومريم وعزير، فأمر الله سبحانه رسوله ﷺ بأن يقول لهم : ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله ؛ وقيل : أراد ب﴿الذين زعمتم﴾ نفراً من الجن عندهم ناس من العرب، وإنما خصصت الآية بمن ذكرنا لقوله :﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة﴾، فإن هذا لا يليق بالجمادات ﴿فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضر عَنْكُمْ﴾ أي : لا يستطيعون ذلك، والمعبود الحق هو الذي يقدر على كشف الضرّ، وعلى تحويله من حال إلى حال، ومن مكان إلى مكان، فوجب القطع بأن هذه التي تزعمونها آلهة ليست بآلهة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود في قوله :﴿قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم من دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضر عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ قال : كان نفر من الإنس يعبدون نفراً من الجن فأسلم النفر من الجنّ وتمسك الإنسيون بعبادتهم، فأنزل الله ﴿أُولَئِكَ الذين يَدّعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة﴾ كلاهما، يعني : الفعلين بالياء التحتية، وروي نحو هذا عن ابن مسعود من طرق أخرى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : كان أهل الشرك يعبدون الملائكة والمسيح وعزيراً. وروي عنه من وجه آخر بلفظ عيسى وأمه وعزير. وروي عنه أيضاً من وجه آخر بلفظ هم : عيسى وعزير، والشمس والقمر. وأخرج الترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :( سلوا الله لي الوسيلة، قالوا وما الوسيلة ؟ قال القرب من الله، ثم قرأ ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ) وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي في قوله :﴿كَانَ ذلك فِي الكتاب مَسْطُورًا﴾ قال : في اللوح المحفوظ. وأخرج أحمد، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال :( سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له : إن شئت أن تستأني بهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم، قال :( لا بل أستأني بهم )، فأنزل الله ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نرْسِلَ بالآيات﴾ ) الآية. وأخرج أحمد، والبيهقي من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج البيهقي في الدلائل عن الربيع بن أنس قال : قال الناس لرسول الله ﷺ لو جئتنا بآية كما جاء بها صالح والنبيّون ؟ فقال رسول الله ﷺ :( إن شئتم دعوت الله فأنزلها عليكم، فإن عصيتم هلكتم )، فقالوا : لا نريدها ). وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس ﴿وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ قال : الموت. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن قال : هو الموت الذريع. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله :﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس﴾ قال : عصمك من الناس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : فهم في قبضته. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وأحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا﴾ الآية قال : هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى بيت المقدس، وليست برؤيا منام ﴿والشجرة الملعونة فِي القرآن﴾ قال : هي شجرة الزقوم. وأخرج أبو سعيد، وأبو يعلى، وابن عساكر عن أم هانئ : أن رسول الله ﷺ لما أسري به أصبح يحدّث نفراً من قريش وهم يستهزئون به، فطلبوا منه آية فوصف لهم بيت المقدس، وذكر لهم قصة العير، فقال الوليد بن المغيرة : هذا ساحر، فأنزل الله إليه ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا﴾ الآية. وأخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال : رأى رسول الله ﷺ بني فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات، فأنزل الله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ﴾. قال ابن كثير بعد أن ساق إسناده : وهذا السند ضعيف جداً. وذكر من جملة رجال السند محمد بن الحسن بن زبان وهو متروك وشيخه عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد ضعيف جداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو أن النبي ﷺ قال :
( رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة، فأنزل الله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ والشجرة الملعونة﴾ ) يعني : الحكم وولده. وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة قال : قال رسول الله ﷺ :( رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء )، واهتمّ رسول الله ﷺ لذلك، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن مردويه عن الحسين بن عليّ نحوه مرفوعاً وهو مرسل. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب نحوه وهو مرسل. وأخرج ابن مردويه عن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم : سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبيك وجدّك :( إنكم الشجرة الملعونة في القرآن ) وفي هذا نكارة، لقولها : يقول لأبيك وجدّك، ولعل جدّ مروان لم يدرك زمن النبوّة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : إن رسول الله ﷺ أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذٍ بالمدينة فسار إلى مكة قبل الأجل فردّه المشركون، فقال ناس : قد ردّ، وقد كان حدّثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم. وقد تعارضت هذه الأسباب، ولم يمكن الجمع بينها فالواجب المصير إلى الترجيح، والراجح كثرة وصحة هو كون سبب نزول هذه الآية قصة الإسراء فيتعين ذلك. وقد حكى ابن كثير إجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك في الرؤيا، وفي تفسير الشجرة وأنها شجرة الزقوم، فلا اعتبار بغيرهم معهم. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال : قال أبو جهل لما ذكر رسول الله شجرة الزقوم تخويفاً لهم : يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد ؟ قالوا لا، قال : عجوة يثرب بالزبد. والله لئن استمكنا منها لنزقمنها تزقماً. قال الله سبحانه :﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم﴾ [ الدخان : ٤٣ ٤٤ ]، وأنزل ﴿والشجرة الملعونة فِي القرآن﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله :﴿والشجرة الملعونة﴾ قال : ملعونة لأنه قال :﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤوسُ الشياطين﴾ [الصافات: ٦٥]. والشياطين ملعونون.
( رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة، فأنزل الله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ والشجرة الملعونة﴾ ) يعني : الحكم وولده. وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة قال : قال رسول الله ﷺ :( رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء )، واهتمّ رسول الله ﷺ لذلك، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن مردويه عن الحسين بن عليّ نحوه مرفوعاً وهو مرسل. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب نحوه وهو مرسل. وأخرج ابن مردويه عن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم : سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبيك وجدّك :( إنكم الشجرة الملعونة في القرآن ) وفي هذا نكارة، لقولها : يقول لأبيك وجدّك، ولعل جدّ مروان لم يدرك زمن النبوّة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : إن رسول الله ﷺ أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذٍ بالمدينة فسار إلى مكة قبل الأجل فردّه المشركون، فقال ناس : قد ردّ، وقد كان حدّثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم. وقد تعارضت هذه الأسباب، ولم يمكن الجمع بينها فالواجب المصير إلى الترجيح، والراجح كثرة وصحة هو كون سبب نزول هذه الآية قصة الإسراء فيتعين ذلك. وقد حكى ابن كثير إجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك في الرؤيا، وفي تفسير الشجرة وأنها شجرة الزقوم، فلا اعتبار بغيرهم معهم. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال : قال أبو جهل لما ذكر رسول الله شجرة الزقوم تخويفاً لهم : يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد ؟ قالوا لا، قال : عجوة يثرب بالزبد. والله لئن استمكنا منها لنزقمنها تزقماً. قال الله سبحانه :﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم﴾ [ الدخان : ٤٣ ٤٤ ]، وأنزل ﴿والشجرة الملعونة فِي القرآن﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله :﴿والشجرة الملعونة﴾ قال : ملعونة لأنه قال :﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤوسُ الشياطين﴾ [الصافات: ٦٥]. والشياطين ملعونون.