التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله - تعالى - :﴿رَّبُّكُمُ الذي يُزْجِي لَكُمُ الفلك فِي البحر لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ...﴾ بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله - تعالى - بعباده، وفضله عليهم.
و ﴿يزجى﴾ من الإِزجاء، وهو السوق شيئًا فشيئًا. يقال أزجى فلان الإِبل، إذا ساقها برفق، وأزجت الريح السحاب، أى : ساقته سوقًا رفيقًا، ومنه قوله - تعالى - :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً...﴾ و ﴿الفلك﴾ ما عظم من السفن. قال الجمل ما ملخصه : ويستعمل لفظ الفلك للواحد والجمع، ويذكر ويؤنث. قال - تعالى - :﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون﴾ فأفرد وذكر. وقال - سبحانه - :﴿والفلك التي تَجْرِي فِي البحر﴾ فأنث، ويحتمل الإِفراد والجمع. قال - تعالى - :﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم...﴾ فجمع....
و ﴿البحر﴾ يطلق على الماء الكثير عذبًا كان أو ملحًا. وأكثر ما يكون إطلاقًا على الماء الملح.
أى : اذكروا - أيها الناس - لتعتبروا وتشكروا ربكم الذى من مظاهر نعمته عليكم، أنه يسوق لكم - بلطفه وقدرته - السفن التى تركبونها فى البحر لكي تطلبوا من وراء ركوبها الرزق الذى يصلح معاشكم، والذى هو لون من ألوان فضل الله عليكم.
وقوله : لتبتغوا من فضله، تعليل لإِزجاء الفلك، وتصريح بوجوه النفع التى تفضل الله - تعالى - بها عليهم.
وقوله :﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ تعليل ثان لهذا الإِزجاء.
أى : يزجى لكم الفلك فى البحر، لتطلبوا من وراء ذلك ما ينفعكم، ولأنه - سبحانه - كان أزلا وأبدا، بكم دائم الرحمة والرأفة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى