فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿رَّبُّكُمُ الذي يُزْجِي لَكُمُ الفلك فِي البحر﴾ الإزجاء : السوق والإجراء والتسيير، ومنه قوله سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً﴾ [النور: ٤٣]. وقول الشاعر :
يا أيها الراكب المزجي مطيته *** سائل بني أسد : ما هذه الصور
وقول الآخر :
عوذا تزجي خلفها أطفالها ***. . .
والمعنى : أن الله سبحانه يسيّر الفلك في البحر بالريح، والفلك ها هنا جمع، وقد تقدّم، والبحر هو الماء الكثير عذباً كان أو مالحاً، وقد غلب هذا الاسم على المشهور ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أي : من رزقه الذي تفضل به على عباده، أو من الربح بالتجارة، و«من » زائدة أو للتبعيض، وفي هذه الآية تذكير لهم بنعم الله سبحانه عليهم حتى لا يعبدوا غيره ولا يشركوا به أحداً، وجملة :﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ تعليل لما تقدّم أي : كان بكم رحيماً فهداكم إلى مصالح دنياكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿يُزْجِي﴾ قال : يجري، وأخرجوا عن قتادة قال : يسيرها في البحر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿حاصبا﴾ قال : مطر الحجارة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال : حجارة من السماء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس ﴿قَاصِفًا مّنَ الريح﴾ قال : التي تغرق. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، عن عبد الله بن عمرو قال : القاصف والعاصف في البحر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿قَاصِفًا﴾ قال : عاصفاً، وفي قوله :﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ قال : نصيراً. وأخرج الطبراني، والبيهقي في الشعب، والخطيب في تاريخه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله ﷺ :( ما من شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم قيل : يا رسول الله ولا الملائكة ؟ قال : ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر )، وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن عمرو موقوفاً قال : وهو الصحيح. وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال : المؤمن أكرم على الله من ملائكته. وأخرج الطبراني عن ابن عمرو، عن النبي ﷺ قال :( إن الملائكة قالت : يا رب أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال : لا أجعل صالح ذرّية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان ) وأخرجه عبد الرزاق، وابن جرير عن زيد بن أسلم قال : قالت الملائكة. وإسناد الطبراني هكذا : حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، حدّثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ فذكره. وأخرج ابن عساكر من طريق عروة بن رويم قال : حدثني أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ، فذكر نحو حديث ابن عمرو الأول مع زيادة. وأخرج نحوه البيهقي أيضاً في الأسماء والصفات من وجه آخر عن عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ فذكره. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ قال : جعلناهم يأكلون بأيديهم وسائر الخلق يأكلون بأفواههم. وأخرج الحاكم في التاريخ، والديلمي عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله :( الكرامة الأكل بالأصابع ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى