البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
قلت :﴿أفأمنتم﴾ : الهمزة للتوبيخ، والفاء للعطف على محذوف، أي : أنجوتم من البحر فأمنتم.
﴿أفأمِنْتُم﴾ أي : أنجوتم من البحر، وأمنتم ﴿أن يَخْسف بكم جانبَ البرِّ﴾ ؛ بأن يقلبه عليكم وأنتم عليه، أو يخسف بكم في جوفه، كما فعل بقارون، ﴿أو يُرسلَ عليكم حاصبًا﴾ أي : ريحًا حاصبًا، يرميكم بحصباء كقوم لوط، ﴿ثم لا تجدوا لكم وكيلاً﴾ ؛ حافظاً لكم منه، فإنه لا رادّ لفعله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : العباد الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، هم الذين أضافهم إلى نفسه ؛ بأن اصطفاهم لحضرة قدسه، وشغلهم بذكره وأُنسه، لم يركنوا إلى شيء سواه، ولم يلتجئوا إلاَّ إلى حماه. فلا جرم أنه يحفظهم برعايته، ويكلؤهم بسابق عنايته. فظواهرهم قائمة بآداب العبودية، وبواطنهم مستغرقة في شهود عظمة الربوبية. فلمَّا قاموا بخدمة الرحمان، حال بينهم وبين كيد الشيطان، وقال لهم : ربكم الذي يُزجي لكم فلك الفكرة في بحر الوحدة ؛ لتبتغوا الوصول إلى حضرة الأحدية، إنه كان بكم رحيمًا.
ثم إذا غلب عليكم بحر الحقيقة، وغرقتم في تيار الذات، غاب عنكم كل ما سواه، وطلبتم منه الرجوع إلى بر الشريعة، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم عن شهود السِّوى، وجحدتم وجوده، لكن القلوب بيد الرحمان، يُقلبها كيف شاء ؛ فلا يأمن العارف من المكر، ولو بلغ ما بلغ، ولذلك قال : أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ؛ فتغرقون في الحس، وتشتغلون بعبادة الحس، أو يُرسل عليكم حاصباً : وارداً قَهَّارِيًّا، يُخرجكم عن حد الاعتدال، أم أمنتم أن يُعيدكم في بحر الحقيقة، تارة أخرى، بعد الرجوع للبقاء، فيرسل عليكم واردًا قهاريًا يُخرجكم عن حد الاعتدال، ويحطكم عن ذروة الكمال، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا. والله تعالى أعلم.
﴿أفأمِنْتُم﴾ أي : أنجوتم من البحر، وأمنتم ﴿أن يَخْسف بكم جانبَ البرِّ﴾ ؛ بأن يقلبه عليكم وأنتم عليه، أو يخسف بكم في جوفه، كما فعل بقارون، ﴿أو يُرسلَ عليكم حاصبًا﴾ أي : ريحًا حاصبًا، يرميكم بحصباء كقوم لوط، ﴿ثم لا تجدوا لكم وكيلاً﴾ ؛ حافظاً لكم منه، فإنه لا رادّ لفعله.
ثم إذا غلب عليكم بحر الحقيقة، وغرقتم في تيار الذات، غاب عنكم كل ما سواه، وطلبتم منه الرجوع إلى بر الشريعة، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم عن شهود السِّوى، وجحدتم وجوده، لكن القلوب بيد الرحمان، يُقلبها كيف شاء ؛ فلا يأمن العارف من المكر، ولو بلغ ما بلغ، ولذلك قال : أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ؛ فتغرقون في الحس، وتشتغلون بعبادة الحس، أو يُرسل عليكم حاصباً : وارداً قَهَّارِيًّا، يُخرجكم عن حد الاعتدال، أم أمنتم أن يُعيدكم في بحر الحقيقة، تارة أخرى، بعد الرجوع للبقاء، فيرسل عليكم واردًا قهاريًا يُخرجكم عن حد الاعتدال، ويحطكم عن ذروة الكمال، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا. والله تعالى أعلم.