غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراآت :﴿خلفك﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد. الآخرون ﴿خلافك﴾ بكسر الخاء بالألف ﴿وننزل من﴾ مخففاً : أبو عمرو ويعقوب. الباقوت بالتشديد وياء تحتانية ﴿وناء بجانبه﴾ مثل " ناع " : يزيد وابن ذكوان ﴿ونأى﴾ يفتح النون وإمالة الهمزة مثل " رمى ". حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف والعجلي وخلف لنفسه. الباقون بفتحتين كرمى.
الوقوف :﴿خليلاً﴾ ٥ ﴿قليلاً﴾ ٥ لا لتعلق " إذا " ﴿بصيراً﴾ ٥ ﴿قليلاً﴾ ٥ ﴿تحويلاً﴾ ٥ ﴿وقرآن﴾ ٥ ﴿الفجر﴾ ط ﴿مشهوداً﴾ ٥ ﴿نافلة لك﴾ قف والوصل أولى لأن " عسى " وعد على التهجد ﴿محموداً﴾ ٥ ﴿نصيراً﴾ ٥ ﴿وزهق الباطل﴾ ط ﴿زهوقاً﴾ ٥ ﴿للمؤمنين﴾ ٥ لا لأن ما بعده من صلة " ما " ﴿خساراً﴾ ٥ ﴿بجانبه﴾ ج لعطف حملتي الظرف ﴿بؤساً﴾ ٥ ﴿شاكلته﴾ ط ﴿سبيلاً﴾ ٥ ﴿عن الروح﴾ ط ﴿قليلاً﴾ ٥ ﴿وكيلاً﴾ ٥ لا ﴿من ربك﴾ ط ﴿كبيراً﴾ ٥ ﴿ظهيراً﴾ ٥ ﴿مثل﴾ ز لعطف المتفقين معنى المختلفين لفظاً ﴿كفوراً﴾ ٥.
فقال ﴿سنة من قد أرسلنا﴾ وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ثم بين أن عادته تعالى جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم ﴿ولا تجد لسنتنا تحويلاً﴾ لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة.
وقال أهل النظم : لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة. وأيضاً لما قال :﴿وإن كادوا ليستفزونك﴾ أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه :﴿فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾
[طه: ١٣٠] ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها. وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر. وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه ﷺ قال :" أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر. " قالوا : واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء. وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ أي من عمى قلوبهم ﴿ولولا أن ثبتناك﴾ بالقول الثابت وهو قول " لا إله إلا الله " إلى أن بلغت حقيقة " لا إله إلا الله " ﴿شيئاً قليلاً﴾ وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة. ﴿ضعف الحياة وضعف الممات﴾ أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك. وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق. ﴿سنة من قد أرسلنا﴾ أي جرت عادة الله تعالى بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به. ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال :﴿أقم الصلاة﴾ أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً. ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ بشواهد الحق بل الحق مشهود له. ثم ﴿أدخلني مدخل صدق﴾ يعني السير في الله بالله ﴿وأخرجني مخرج صدق﴾ من حولي وأنانيتي ﴿واجعل لي من لدنك﴾ لا من لدن غيرك. وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله :﴿وسعى لها سعيها﴾ [الإسراء: ١٩]. " روي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يعرض حاجة فقال ﷺ : ما تريد ؟ فقال : مرافقتك في الجنة. فقال ﷺ : أو غير ذلك ؟ فقال الرجل : بلى مرافقتك في الجنة. فقال النبي ﷺ : فأعني على نفسك بكثرة السجود " ﴿جاء الحق﴾ من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿وزهق الباطل﴾ وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله :
*** ألا كل شيء ما خلا الله باطل***
﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب
*** إن الأحاديث من سلمى تسليني***
﴿قل الروح من أمر ربي﴾ قال العارفون : لله تعالى عالمان : عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة. والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه ﷺ قال :" أول ما خلق الله جوهرة " - وفي رواية - " درّة فنظر إليها فذابت " " أول ما خلق الله اللوح " " أول ما خلق الله روحي " وفي رواية " نوري " " وأول ما خلق الله العقل " " وأول ما خلق الله القلم " وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي. فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي ﷺ. فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل. ثم قال له : أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين. وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له " أمي ". وقد ورد في الحديث :" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة " ولما كان الروح خليفة الله تعالى اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح. ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله :﴿ولئن شئنا لنذهبن﴾ الآية. وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله تعالى لكنه أكد هذا المعنى بقوله :﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً. وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله تعالى أعلم بالصواب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى