نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
فلما ثبت بكون ما توعد به سبحانه في أوقاته كما أخبر به بطشه وحلمه، فثبتت قدرته وعلمه، أشار إلى أن من سبب إذلاله لمن يريد به الخير المعصية، وسبب إعزازه الطاعة، فقال تعالى :﴿إن أحسنتم﴾ أي بفعل الطاعة على حسب الأمر في الكتاب الداعي إلى العدل والإحسان ﴿أحسنتم لأنفسكم﴾ فإن ذلك يوجب كوني معكم فأكسبكم عزاً في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ﴿وإن أسأتم﴾ أي بارتكاب المحرمات والإفساد ﴿فلها﴾ الإساءة، وذكرها باللام تنبيها على أنها أهل لزيادة النفرة لأن كل أحد يتطير من نسبتها إليه عبارة كانت، فإذا تطير مع العبارة المحبوبة فكيف يكون حاله مع غيرها.
ولما انتهزت فرصة الترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية، عطف الوعيد الثاني بالفاء إشارة إلى أنه بعد نصر بني إسرائيل على أهل المرة الأولى، ولعلها أيضاً مؤذنة بقرب مدتها من مدة الإدالة فقال تعالى :﴿فإذا جاء﴾ أي أتى إتياناً هو كالملجأ إليه قسراً على خلاف ما يريده الآتي إليه ﴿وعد الآخرة﴾ أي وقته، فاستأهلتم البلاء لما أفسدتم وأحدثتم من البلايا التي أعظمها قتل زكريا ويحيى عليهما السلام والعزم على قتل عيسى عليه السلام ﴿ليسوءوا﴾ أي بعثنا عليكم عباداً لنا ليسوءوا ﴿وجوهكم﴾ أي يجعل آثار المساءة بادية فيها، وحذف متعلق اللام لدلالة الأول عليه ﴿وليدخلوا المسجد﴾ أي الأقصى الذي سقناكم إليه من مصر في تلك المدد الطوال وأعطيناكم بلاده بالتدريج، وجعلناه محل أمنكم وعزكم، ثم جعلناه محلاً لإكرام أشرف خلقنا بالإسراء به إليه وجمع أرواح النبيين كلهم فيه وصلاته بهم ثَّمَ، وهذا تعريض بالتهديد لقريش بأنهم إن لم يرجعوا أبدل أمنهم في الحرم خوفاً وعزهم ذلاً، فأدخل عليهم جنوداً لا قبل لهم بها، وقد فعل ذلك عام الفتح لكنه فعل إكرام لا إهانة ببركة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم دائماً أبداً ﴿كما دخلوه﴾ أي الأعداء ﴿أول مرة﴾ بالسيف، ويقهروا جميع جنودكم دفعة واحدة ﴿وليتبروا﴾ أي يهلكوا ويدمروا مع التقطيع والتفريق ﴿ما علوا﴾ أي عليه من ذلك، وقيل : ما مصدرية، أي مدة علوهم فيكون ﴿يتبروا﴾ قاصراً فيعظم مدلوله، وأكد الفعل وحقق الوعد فقال :﴿تتبيراً﴾.
وقال في التوراة إشارة إلى هذه المرة الأخيرة - والله أعلم - بعد ما مضى من الإشارة إلى المرة الأولى سواء : وإن لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن التي كتبت في هذا الكتاب لتتقي الله ربك وتهاب اسمه المحمود المرهوب، يخصك الرب بضربات موجعة ويبتليك بها ويبتلي نسلك من بعدك، وينزل بك جميع الضربات التي أنزلها بأهل مصر تدوم عليك، وكل وجع وكل ضربة لم تكتب في هذا الكتاب يبتليك الله بها حتى تهلك وتبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل نجوم السماء، لأنك لم تسمع قول الله ربك، فيكون كما فرحكم الرب وأنعم عليكم وكثركم يستأصلكم بالعقاب والنكال، ويدمر عليكم ويتلفكم، وتجلون عن الأرض التي تدخلونها لترثوها، ويفرقكم الرب بين جميع الشعوب من أقطار السماء إلى أقطارها، وتعبدون هناك الآلهة الأخرى التي عملت من الحجارة والخشب لم تعرفوها أنتم ولا آباؤكم، ولا تسكنون أيضاً بين تلك الشعوب ولا تكون راحة لأقدامكم، ولكن يصير الله قلوبكم فزعة مرتجفة، ويبتليكم بظلمة العين وسيلان الأنفس، وتكون حياتكم معلقة حيالكم من بعيد ؛ وتكونون فزعين الليل والنهار، ولا تصدقون أنكم تعيشون، بالغداة تقولون : متى نمسي ؟ وبالعشي تقولون : متى نصبح ؟ وذلك من فزع قلوبكم وخوفكم ومن ظلمة أبصاركم وقلة حيلتكم، ويردكم الله إلى أرض مصر في سفن على الحال الذي قلت لكم، لا تعودون أن تروها أبداً، وتباعون هناك عبيداً وإماء، ولا يكون من يشتريكم، هذه أقوال العهد التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في أرض موآب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب - انتهى.
وإنما قلت : إن هذا إشارة إلى المرة الثانية، لأنه تكرير لذلك الذي قدمته في الأولى، فحمله على أن يكون مشيراً إلى غير ما أشار إليه الأول أولى، بل ربما كان متعيناً، ثم أخبرني بعض فضلاء اليهود أن علماءهم قالوا كذلك، وكان الخراب في هذه المرة على يد طيطوس بعد أن تملك أبوه أسفسيانوس على الروم ورجع من الأرض المقدسة بعد موت ملكهم تيروس الذي كان أرسله لقتال اليهود لما خرجوا عن طاعته، وكان معه يوسف بن كريون أحد أكابر اليهود، وكان أحد من ندبه اليهود لقتال أسفسيانوس ومن معه، فأسروه وأحسنوا إليه فاستمر عندهم، فلما مات تيروس وملكه أصحابه رجع إلى رومية وبعث ابنه للفراغ من القدس وبعث يوسف معه بعد أن استمر البيت عامراً من عمارة العزير عليه السلام أربعمائة سنة وعشرين سنة، ولم يدخل بعد هذا الخراب في أيدي اليهود، وكان هذا لثلاثمائة سنة وثمانين سنة من ولاية الإسكندر، وقال مؤرخهم في شرح هذا الخراب : إن طيطوس كان في قيسارية، فسار منها حتى انتهى إلى يالو فأخذ من نقاوة عسكره ستمائة رجل، وسار إلى بيت المقدس ليقف على أحوال المدينة، وينظر الحصن، ويعلم ما يحتاج إلى علمه، ويدبر الأمور بحسب ذلك، وعمل على أن يراسل أهل بيت المقدس بالجميل ويدعوهم إلى المسالمة ويبذل لهم الأمان، فلما قرب من المدينة وجد الأبواب مغلقة، وليس يخرج من المدينة ولا يدخل إليها أحد لما بين الخوارج من الحروب المتصلة، فما وجد من خاطبه من القوم، فانصرف راجعاً إلى عسكره.
قال : وكان قوم من أصحاب الخوارج لما علموا بمجيء طيطوس قد خرجوا من المدينة، فكمنوا له في بعض الطريق، فما اجتاز بهم وهو راجع أحاطوا به وحالوا بينه وبين أصحابه، فقاتلهم قتالاً شديداً حتى خلص بعد أن أشرف على الهلاك، فعلم ما القوم عليه من النجدة والشر فأعد لذلك عدته لما أراد الله من خراب القدس، وكان الله سبحانه وتعالى ملكه وعز سلطانه قد أظهر لبني إسرائيل أموراً دلتهم على زوال أمرهم لو أنهم تبصروا، منها شبه كوكب كبير له نور قوي وضوء شديد كان القدس يضيء منه البلد كله طول الليل قريباً من ضوء النهار، فأقام كذلك سبعة أيام مدة عيد الفصح، ففرح به الجهال واغتم العلماء، ومنها أنهم أحضروا في هذا العيد بقرة ليقربوها، فولدت خروفاً فاستنكر الناس ذلك، ومنها أن باب القدس الشرقي كان عظيماً ثقيلاً لا يعالجه إلا جماعة، فلما كان في تلك الأيام كانوا يجدونه كل يوم مفتوحاً من غير فاتح، فيجتمع الرجال المعتادون له فيغلقونه ثم يعودون إليه فيجدونه مفتوحاً، فكان الجهال يفرحون والعلماء يغتمون، ومنها أنه ظهر على بيت قدس الأقداس في الهواء صورة وجه الإنسان شديد الحسن عظيم البهاء والنور، ومنها أنه ظهر أيضاً في الجو صور ركبان من نار يطيرون في الهواء قريباً من الأرض على بيت المقدس وعلى جميع أرض اليهود، ومنها أنه سمع الكهنة في ليلة عيد العنصرة في القدس حس جماعة كثيرة يذهبون ويجيئون في الهيكل من غير أن يروهم بل كانوا يسمعون وطأهم فقط، ثم سمعوا صوتاً عظيماً يقول : امضوا بنا حتى نرتحل عن هذا البيت، ومنها أنه كان قد ظهر قبل هذا بأربع سنين في المدينة رجل يمشي كالمجنون ويصيح بأعلى صوت يقول : صوت من المشرق، صوت من المغرب، صوت من أربع جهات الدنيا، صوت على أورشلام، وصوت على الهيكل، وصوت عل الحصن، وصوت على الفروس، وصوت على جميع الناس، الويل على أورشلام، الويل على أورشلام، وكان لا يهدأ من هذا الكلام، وكان الناس يبغضونه ويزجرونه ويتصورونه بالجنون، فلم يزل على ذلك إلى أن أحاط العدو بالمدينة، فابتدأ في بعض الأيام يتكلم على عادته، فأتاه حجر في رأسه فمات ووجد في حائط قدس الأقداس حجر قديم مكتوب عليه " إذا صار بنيان الهيكل مربعاً ملك على أرض بني إسرائيل ملك عظيم، ويتسلط على سائر الأرض " فقال قوم : هو ملك بني إسرائيل، وقال الحكماء والكهنة : بل ملك الروم، ووجد أيضاً حجر قديم مكتوب عليه " إذا كمل بنيان القدس وصار مربعاً فإنه عند ذلك يخرب " فلما وقع الحصار وانهدم أنطونيا سدوا السور فصار الهيكل مربعاً كما سيأتي، وأعظم الأمارات ما كان عليه خوارجهم من القتال، وسفك دماء الخاص والعام، والحريق والجوع، بحيث إنه أحاط البلاء بهم وبجميع الناس ولا يجدون مهرباً حتى كرهوا الحياة.
ولما خلص طيطوس من الخوارج بات في عسكره، ثم سار بالليل من يالو، فأصبح على بيت المقدس ونزل على رأس جبل الزيتون الذي في شرقي المدينة أورشليم، ليحجز الوادي بينه وبينها ولا يخفى عليه من يخرج إليه منها، ثم رتب عسكره ووصاهم بالتعاون والتظافر واليقظة والحذر، وأن لا يفارق بعضهم بعضاً، وقال : إنكم تقاتلون قوماً لم تقاتلوا مثلهم في البأس والشجاعة والصبر على القتال والبصر بالحرب، فلما رآه اليهود اصطلح رؤساء الخوارج يوحانان وشمعون والعازار على أن لا يحارب بعضهم بعضاً ويتفقوا على محاربة الروم، واجتمعوا وفتحوا باب المدينة ولقوا من كان قرب من الروم، فقاتلوهم واشتد الحرب فانهزم الروم، فردهم طيطوس وشجعهم فعادوا فكانت بينهم حرب عظيمة قتل فيها خلق كثير، وانهزم اليهود فوقفوا عند السور وبعثوا جريدة من أصحابهم في عدد كثير من جهة أخرى، فداروا من وراء عسكر الروم، وزحف أولئك من أمامهم، فكان الروم بين العسكرين فقتل منهم خلق كثير فانهزموا، وثبت طيطوس في جمع من أصحابه فاشتد الأمر حتى كاد يقتل، فقال أصحابه : امضِ إلى الجبل، فاختار الموت على الهزيمة ولم يزل يقاتلهم حتى تخلص بعد أن استظهر عليه اليهود ثلاث دفعات، ولما عاد اليهود إلى المدينة نقضوا عهودهم وحارب بعضهم بعضاً كما كانوا، لأن يوحانان كان يريد الرئاسة، وكان شمعون والعازار يأبيان ذلك، وحضر عيد الفصح - وهو الفطير - فدخل يوحانان في أصحابه إلى القدس في اليوم الأول، فلقيهم الناس بالجميل وسروا بهم، فنزعوا ما ظهر من ثيابهم فإذا تحتها السلاح، وأخذوا على الناس الأبواب، فقتلوا خلقاً كثيراً من الكهنة وغيرهم ولم يرحموا صغيراً ولا كبيراً، فقتل العازار وشمعون من كان خارج القدس من جماعة يوحانان، فخرج إليهم واشتد الأمر واتصلت الحرب، فلما علم طيطوس زحف إلى المدينة فقال له قوم من اليهود الذين على السور : نفتح لك الباب على أن تؤمننا وتريحنا من هؤلاء الخوارج، فلم يثق بهم لما ظهر لهم من شرهم وغدرهم، وعلت الأصوات في المدينة، لأن بعضهم كان يريد أن يفتح لطيطوس وبعضهم يمنع، وتبادروا إلى حفظ الأبواب والسور، فتقدم جماعة من الروم إلى المدينة طمعاً في أن يفتح لهم الباب فرماهم الخوارج بالحجارة والنشاب، وأعانهم الذين كانوا استدعوا الروم للدخول، ثم خرج جماعة من اليهود فهزموا الروم وأنكوا فيهم وتبعوهم إلى قرب عسكرهم، وشرعوا يهزؤون بهم ويعيرونهم بالهزيمة، فأراد من في العسكر أن يلاقوهم فمنعهم طيطوس واشتد غضبه على أصحابه وقال : لست أعجب من اليهود في غدرهم، ولكن أعجب منكم مع بصركم بالحرب وكثرة تجاربكم فكيف خدعوكم ؟ فمضيتم إلى المدينة بغير أمري وخالفتم وصيتي، ولذلك انهزمتم ل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى