نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ثم عطف على هذا المقدر المعلوم تقديره ما هو أعم منه وأبين في الفتنة والاجتراء فقال تعالى :﴿وإذا أنعمنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿على الإنسان﴾ أي هذا النوع هؤلاء وغيرهم بأيّ نعمة كانت، من إنزال القرآن وغيره ﴿أعرض﴾ أي عن ذكر المنعم كإعراض هؤلاء عند مجيء هذه النعمة التي لا نعمة مثلها ﴿ونأ﴾ أي تباعد تكبراً ﴿بجانبه﴾ بطراً وعمى عن الحقائق ﴿وإذا مسه الشر﴾ أي هذا النوع وإن قل ﴿كان يئوساً﴾ أي شديد اليأس هلعاً وقلة ثقة بما عنده من رحمة الله إلا من حفظه الله وشرفه بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان.
ولما كان المفرد المحلى باللام يعم، كان هذا ربما اقتضى من بعض المتعنتين اعتراضاً بأن يقال : إنا نرى بعض الإنسان إذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وكان هذا الاعتراض ساقطاً لا يعبأ به، أما أولاً فلأنه قد تقدم الجواب عنه في سورة يونس عليه السلام في قوله تعالى﴿كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾[يونس: ١٢] بأن هذا في المسرفين دون غيرهم، وبقوله تعالى في سورة هود عليه السلام﴿إلا الذين صبروا﴾[هود: ١١] ولعله طواه في هذا المقام إشارة إلى أنه لقلة أفراده كأنه عدم، وأما ثانياً فلأن المحلى باللام سواء كان مفرداً أو جمعاً في قوة الجزئي حتى يرد ما يدل على أنه كلي، فلذلك أعرض تعالى عنه وأمره بالجواب عن القسمين المشار إليه والمنصوص عليه فقال تعالى :﴿قل﴾ أي يا أشرف خلقنا ! ﴿كل﴾ من الشاكر والكافر ﴿يعمل على شاكلته﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى