اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ الآية.
رُوِيَ أن اليهود قالوا لقريشٍ : اسألوا محمداً عن ثلاثةِ أشياء، فإن أجاب عن كلِّها، أو لم يجب عن شيءٍ، فليس بنبيٍّ، وإن أجاب عن اثنين، وأمسك عن الثَّالِث، فهو نبيٌّ ؛ فاسألوا عن فتيةٍ فقدوا في الزَّمنِ الأوَّل، فما كان أمرهم ؛ فإنهم كان لهم حديثٌ عجيبٌ ؟ وعن رجلٍ بلغ مشرق الشَّمسِ، ومغربها، ما خبره ؟ وعن الرُّوحِ ؛ فسألوه، فقال النبي ﷺ :" غداً أخبركم " ولم يقل : إن شَاءَ الله، فانقطع عنه الوحي(١).
قال مجاهدٌ(٢) : اثنتي عشرة ليلة، وقيل : خمسة عشر يوماً، وقال عكرمة(٣) : أربعين يوماً، وأهل مكَّة يقولون : وعدنا محمد غداً، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيءٍ، حتَّى حزن النبي ﷺ من مكث الوحي، وشقَّ عليه ما يقول أهل مكَّة، ثم نزل الوحي بقوله :﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
ونزل في الفتية :﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكهف والرقيم كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ [الكهف: ٩].
ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ [الكهف: ٨٣].
ونزل في الرُّوح :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
قال ابن الخطيب(٤) : ومن النَّاس من [ طعن ](٥) في هذه الرواية ؛ من وجوه :
أولها : قالوا : ليس الروح أعظم شأناً، ولا أعلى درجة من الله تعالى، فإن كانت معرفة الله تعالى حاصلة ممكنة، فأي مانعٍ يمنع من معرفة الروح ؟ !.
وثانيها : أن اليهود قالوا : إن أجاب عن قصَّة أهل الكهف، وقصَّة ذي القرنين، ولم يجب عن الروح، فهو نبيٌّ، وهذا كلامٌ بعيد عن العقلاء ؛ لأن قصَّة أصحاب الكهف، وقصَّة ذي القرنين ليست إلا حكاية، والحكاية لا تكون دليلاً على النبوة.
وأيضاً : فالحكاية التي يذكرها : إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته، أو بعد العلم بنبوته.
فإن كانت قبل العلم بنبوته، كذَّبوه فيها، وإن كانت بعد العلم بنبوته، فحينئذٍ : نبوَّتهُ معلومة ؛ فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية وأما عدم الجواب عن حقيقةِ الروح، فهذا يبعد جعله دليلاً على صحَّة النبوة.
وثالثها : أنَّ مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة، وأراذل المتكلِّمين، فلو قال الرسول ﷺ :" إنِّي لا أعرفُها " لأورث ذلك ما يوجبُ التَّحقيرَ، والتَّنفيرَ ؛ فإنَّ الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أيِّ إنسانٍ كان، فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماءِ، وأفضل الفضلاء ؟ !.
رابعها : أنه تعالى قال في حقِّه ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: ١، ٢].
وقال :﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣].
وقال :﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤].
وقال في [ حقِّه، أي القرآن، وصفته ](٦) :﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وكان ﷺ يقول :
" أرني الأشياء كما هي ".
فمن هذا حاله وصفته، أيليق به أن يقول : أنا لا أعرف هذه المسألة، مع أنَّها من المسائل المشهورة المذكورة عند جمهور الخلق ؟ !.
بل المختار عندنا : أنَّهم سألوه عن الروح، وأنه - صلوات الله عليه - أجابهم على أحسن الوجوه، وتقريره أن المذكور في الآية، أنهم سألوه عن الروح، والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة.
أولها : أن يقال : ماهية الروح، هل هي متحيِّز أو حالٌّ في المتحيِّز.
وثانيها : أن يقال : الروح قديمة، أو حادثة ؟.
وثالثها : أن يقال : الروح، هل تبقى بعد الأجسام، أو تفنى ؟.
ورابعها : أن يقال : ما حقيقة سعادة الأرواح، وشقاوتها ؟.
وبالجملة : فالمباحثُ المتعلقة بالروح كثيرة.
وقوله تعالى :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ ليس فيه ما يدلُّ على أنَّهم سألوه عن أيِّ المسائل، إلا أنه تعالى ذكر في الجواب عن هذا السؤال :﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ وهذا الجواب لا يليقُ إلا بمسألتين من هذه المسائل التي ذكرناها :
إحداهما : السؤال عن ماهية الروح.
والأخرى : عن قدمها، أو حدوثها.
أما البحث الأول : فهم قالوا : ما حقيقة الروح وماهيته ؟ ! أهو أجسامٌ موجودة داخلة في البدنِ مولدةٌ من امتزاجِ الطبائع والأخلاط ؟ أو هو عبارة عن نفس هذا المزاجِ والتركيب ؟ أو هو عبارة عن عرض قائم بهذه الأجسام ؟ أو هو عبارة عن موجودٍ يغاير هذه الأجسام، والأعراض ؟ فأجاب الله عنه بأنَّه موجودٌ مغايرُ لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض(٧) ؛ وذلك لأن لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض أشياء تحدثُ عن امتزاجِ الأخلاط والعناصر.
وأمَّا الروح، فإنه ليس كذلك، بل هو جوهرٌ، بسيطٌ، مجردٌ، لا يحدث إلا بمحدثٍ يقول له :" كن فيكون "، فأجاب الله عنه بأنه موجود محدث(٨) بأمر الله وتكوينه، وتأثيره في إفادة الحياة بهذا الجسدِ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه ؛ فإنَّ أكثر حقائقِ الأشياءِ، وماهيَّاتها مجهولة ؛ فإنَّا نعلم أنَّ السكنجبين له خاصيةٌ في قطع الصفراء ؛ فأمَّا إذا أردنا أن نعرف ماهيَّة تلك الخاصِّيَّة، وحقيقتها المخصوصة، فذلك غير معلوم ؛ فثبت أنَّ أكثر الحقائق مجهولةٌ، ولم يلزم من كونها مجهولة بعينها عدمُ العلم بخاصِّيَّتها، فكذا ها هنا ؛ وهذا المراد بقوله :﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
وأما البحثُ الثاني : فهو أنَّ لفظ الأمرِ قد جاء بمعنى الفعل ؛ قال تعالى :﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧].
وقال تعالى :﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٨٢] أي : فعلنا.
فقوله تعالى :﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. أي : من فعل ربِّي.
وهذا الجواب يدلُّ على أنَّهم سألوه عن الروح، قديمة أو حادثة، فقال : بل حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه.
ثم احتجَّ على حدوثِ الرُّوحِ بقوله :﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
ثم استدلَّ بحدوثِ الأرواح بتغيُّرها من حال إلى حالٍ، وهو المراد بقوله :﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
وأما أقوال المفسِّرين في الروح المذكورة ها هنا :
فقيل : الروح : القرآن ؛ لأن الله تعالى سمَّى القرآن في هذه الآية، وفي كثيرٍ من الآيات روحًا ؛ قال تعالى :﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
﴿يُنَزِّلُ الملاائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢].
ولأنَّ القرآن تحصل به حياة الأرواح والعقول ؛ لأنَّ به تحصل معرفة الله تعالى، ومعرفة ملائكته، وكتبه، ورسله، والأرواح إنَّما يحصلُ إحياؤها بهذه المعارف، وتقدم قوله :﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].
وقال بعده :﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦].
إلى قوله :﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨].
فلما كان ما قبل هذه الآية في وصف القرآن، وما بعدها كذلك، وجب أن يكون المراد بالروح القرآن ؛ حتَّى تكون آيات القرآن كلها متناسبة ؛ لأن القوم استعظموا أمر القرآن، فسألوا : هل هو من جنس الشِّعر، أو من جنس الكهانة ؟ فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر، وإنما هو كلامٌ ظهر بأمر الله، ووحيه، وتنزيله، فقال :﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي : القرآن إنما ظهر بأمر الله ربِّي، وليس من جنس كلامِ البشر.
ورُوِيَ عن ابن عباس : أنه جبريل، وهو قول الحسن وقتادة(٩) ؛ لقوله تعالى :﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] ؛ وقوله :﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧].
ويؤكده :﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾.
وقال جبريل :﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤].
فسألوا الرسول ﷺ : كيف جبريل في نفسه ؟ وكيف يأتيه ؟ وكيف يبلغ الوحي إليه ؟.
وقال مجاهد : الرُّوحُ : خلق ليسوا من الملائكة، على صور بني آدم يأكلون، ولهم أيدٍ، وأرجلٌ، ورءوسٌ(١٠).
وقال أبو صالحٍ : يشبهون الناس، وليسوا من النَّاس(١١).
قال ابن الخطيب(١٢) : ولم أجِدْ في القرآن، ولا في الأخبار الصحيحة شيئاً يمكنُ التمسُّك به بهذا القول.
ورُوِيَ عن عليٍّ(١٣) : أنَّه ملكٌ له سبعون ألف وجهٍ، لكلِّ وجهٍ سبعون ألف لسانٍ، لكلِّ لسانٍ سبعون ألف لغةٍ، يسبِّح الله تعالى بتلك اللغات، ويخلق الله تعالى من كلِّ تسبيحةٍ ملكاً يطير مع الملائكة، قالوا : ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروحِ غير العرشِ، ولو شاء أن يبتلع السَّموات السَّبع، والأرضين السبع، وما فيها بلقمةٍ واحدةٍ لفعله، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش، وهو أقرب الخلق إلى الله عزَّ وجلَّ اليوم عند الحجب السَّبعين، ويقرب إلى الله يوم القيامة، وهو يشفع لأهل التوحيد، ولولا أنَّ بينه وبين الملائكة ستراً من نورٍ، لاحترق أهل السموات من نوره.
قال ابن الخطيب(١٤) : ولقائلٍ أن يقول : هذا القول ضعيفٌ ؛ لوجوهٍ :
الأول : أنَّ هذا التفصيل، إذا عرفه عليٌّ، فالنبي أولى بأن يعرفه، ويخبر به، وأيضاً : فإنَّ الوحي لم يكن ينزل على عليٍّ ؛ فهذا التفصيل ما عرفه إلا من النبي ﷺ ؛ فَلِمَ ذكر النبي هذا الشَّرح لعليٍّ، ولم يذكره لغيره ؟ !.
الثاني : أنَّ ذلك الملك، إن كان حيواناً واحداً، وعاقلاً واحداً، فلا فائدة في تكثير تلك اللغات، وإن كان المتكلِّم بكلِّ لغةٍ ملكاً ؛ فهذا مجموعُ ملائكة.
الثالث : أنَّ هذا شيء مجهول الوجود، فكيف يسأل عنه ؟ أما الروح الذي هو سبب الحياة، فهو شيء تتوفَّر دواعي العقلاء على معرفته ؛ فصرف هذا السؤال إليه أولى.
وقيل : الرُّوحُ : عيسى ؛ فإنَّه روح الله، وكلمته، والمعنى : أنَّه ليس كما يقوله اليهود، ولا كما يقوله النصارى.
وقال قومٌ : هو الرُّوحُ المركَّب في الخلق الذي يحيا به الإنسان، وهو الأصحُّ.
واختلفوا فيه ؛ فقال بعضهم : هو الدم ؛ ألا ترى [ أنَّ الإنسان ](١٥)، إذا مات لا يفوتُ منه إلا الدمُ.
وقال قومٌ : هو نفس الحيوان ؛ بدليل أنَّه يموت باحتباس النفس.
وقال قومٌ : هو عرضٌ.
وقال قومٌ : هو جسم لطيف.
وقال بعضهم : الروح معنى اجتمع فيه النُّور، والطِّيب، والعلوُّ، والعلم، والبقاء ؛ ألا ترى أنه إذا كان موجوداً، يكون الإنسان موصوفاً بهذه الصفات [ جميعها ]، وإذا خرج ذهب الكلُّ ؟ !.
في شرح مذاهب القائلين بأنَّ الإنسان جسم موجود، روح في داخل البدن.
قال ابن الخطيب(١٦) : اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفليِّ : إما أن تكون أحد العناصر الأربعة، أو ما يكون متولِّداً من امتزاجها، ويم
رُوِيَ أن اليهود قالوا لقريشٍ : اسألوا محمداً عن ثلاثةِ أشياء، فإن أجاب عن كلِّها، أو لم يجب عن شيءٍ، فليس بنبيٍّ، وإن أجاب عن اثنين، وأمسك عن الثَّالِث، فهو نبيٌّ ؛ فاسألوا عن فتيةٍ فقدوا في الزَّمنِ الأوَّل، فما كان أمرهم ؛ فإنهم كان لهم حديثٌ عجيبٌ ؟ وعن رجلٍ بلغ مشرق الشَّمسِ، ومغربها، ما خبره ؟ وعن الرُّوحِ ؛ فسألوه، فقال النبي ﷺ :" غداً أخبركم " ولم يقل : إن شَاءَ الله، فانقطع عنه الوحي(١).
قال مجاهدٌ(٢) : اثنتي عشرة ليلة، وقيل : خمسة عشر يوماً، وقال عكرمة(٣) : أربعين يوماً، وأهل مكَّة يقولون : وعدنا محمد غداً، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيءٍ، حتَّى حزن النبي ﷺ من مكث الوحي، وشقَّ عليه ما يقول أهل مكَّة، ثم نزل الوحي بقوله :﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
ونزل في الفتية :﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكهف والرقيم كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ [الكهف: ٩].
ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ [الكهف: ٨٣].
ونزل في الرُّوح :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
قال ابن الخطيب(٤) : ومن النَّاس من [ طعن ](٥) في هذه الرواية ؛ من وجوه :
أولها : قالوا : ليس الروح أعظم شأناً، ولا أعلى درجة من الله تعالى، فإن كانت معرفة الله تعالى حاصلة ممكنة، فأي مانعٍ يمنع من معرفة الروح ؟ !.
وثانيها : أن اليهود قالوا : إن أجاب عن قصَّة أهل الكهف، وقصَّة ذي القرنين، ولم يجب عن الروح، فهو نبيٌّ، وهذا كلامٌ بعيد عن العقلاء ؛ لأن قصَّة أصحاب الكهف، وقصَّة ذي القرنين ليست إلا حكاية، والحكاية لا تكون دليلاً على النبوة.
وأيضاً : فالحكاية التي يذكرها : إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته، أو بعد العلم بنبوته.
فإن كانت قبل العلم بنبوته، كذَّبوه فيها، وإن كانت بعد العلم بنبوته، فحينئذٍ : نبوَّتهُ معلومة ؛ فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية وأما عدم الجواب عن حقيقةِ الروح، فهذا يبعد جعله دليلاً على صحَّة النبوة.
وثالثها : أنَّ مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة، وأراذل المتكلِّمين، فلو قال الرسول ﷺ :" إنِّي لا أعرفُها " لأورث ذلك ما يوجبُ التَّحقيرَ، والتَّنفيرَ ؛ فإنَّ الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أيِّ إنسانٍ كان، فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماءِ، وأفضل الفضلاء ؟ !.
رابعها : أنه تعالى قال في حقِّه ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: ١، ٢].
وقال :﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣].
وقال :﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤].
وقال في [ حقِّه، أي القرآن، وصفته ](٦) :﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وكان ﷺ يقول :
" أرني الأشياء كما هي ".
فمن هذا حاله وصفته، أيليق به أن يقول : أنا لا أعرف هذه المسألة، مع أنَّها من المسائل المشهورة المذكورة عند جمهور الخلق ؟ !.
بل المختار عندنا : أنَّهم سألوه عن الروح، وأنه - صلوات الله عليه - أجابهم على أحسن الوجوه، وتقريره أن المذكور في الآية، أنهم سألوه عن الروح، والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة.
أولها : أن يقال : ماهية الروح، هل هي متحيِّز أو حالٌّ في المتحيِّز.
وثانيها : أن يقال : الروح قديمة، أو حادثة ؟.
وثالثها : أن يقال : الروح، هل تبقى بعد الأجسام، أو تفنى ؟.
ورابعها : أن يقال : ما حقيقة سعادة الأرواح، وشقاوتها ؟.
وبالجملة : فالمباحثُ المتعلقة بالروح كثيرة.
وقوله تعالى :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ ليس فيه ما يدلُّ على أنَّهم سألوه عن أيِّ المسائل، إلا أنه تعالى ذكر في الجواب عن هذا السؤال :﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ وهذا الجواب لا يليقُ إلا بمسألتين من هذه المسائل التي ذكرناها :
إحداهما : السؤال عن ماهية الروح.
والأخرى : عن قدمها، أو حدوثها.
أما البحث الأول : فهم قالوا : ما حقيقة الروح وماهيته ؟ ! أهو أجسامٌ موجودة داخلة في البدنِ مولدةٌ من امتزاجِ الطبائع والأخلاط ؟ أو هو عبارة عن نفس هذا المزاجِ والتركيب ؟ أو هو عبارة عن عرض قائم بهذه الأجسام ؟ أو هو عبارة عن موجودٍ يغاير هذه الأجسام، والأعراض ؟ فأجاب الله عنه بأنَّه موجودٌ مغايرُ لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض(٧) ؛ وذلك لأن لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض أشياء تحدثُ عن امتزاجِ الأخلاط والعناصر.
وأمَّا الروح، فإنه ليس كذلك، بل هو جوهرٌ، بسيطٌ، مجردٌ، لا يحدث إلا بمحدثٍ يقول له :" كن فيكون "، فأجاب الله عنه بأنه موجود محدث(٨) بأمر الله وتكوينه، وتأثيره في إفادة الحياة بهذا الجسدِ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه ؛ فإنَّ أكثر حقائقِ الأشياءِ، وماهيَّاتها مجهولة ؛ فإنَّا نعلم أنَّ السكنجبين له خاصيةٌ في قطع الصفراء ؛ فأمَّا إذا أردنا أن نعرف ماهيَّة تلك الخاصِّيَّة، وحقيقتها المخصوصة، فذلك غير معلوم ؛ فثبت أنَّ أكثر الحقائق مجهولةٌ، ولم يلزم من كونها مجهولة بعينها عدمُ العلم بخاصِّيَّتها، فكذا ها هنا ؛ وهذا المراد بقوله :﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
وأما البحثُ الثاني : فهو أنَّ لفظ الأمرِ قد جاء بمعنى الفعل ؛ قال تعالى :﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧].
وقال تعالى :﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٨٢] أي : فعلنا.
فقوله تعالى :﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. أي : من فعل ربِّي.
وهذا الجواب يدلُّ على أنَّهم سألوه عن الروح، قديمة أو حادثة، فقال : بل حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه.
ثم احتجَّ على حدوثِ الرُّوحِ بقوله :﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
ثم استدلَّ بحدوثِ الأرواح بتغيُّرها من حال إلى حالٍ، وهو المراد بقوله :﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
وأما أقوال المفسِّرين في الروح المذكورة ها هنا :
فقيل : الروح : القرآن ؛ لأن الله تعالى سمَّى القرآن في هذه الآية، وفي كثيرٍ من الآيات روحًا ؛ قال تعالى :﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
﴿يُنَزِّلُ الملاائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢].
ولأنَّ القرآن تحصل به حياة الأرواح والعقول ؛ لأنَّ به تحصل معرفة الله تعالى، ومعرفة ملائكته، وكتبه، ورسله، والأرواح إنَّما يحصلُ إحياؤها بهذه المعارف، وتقدم قوله :﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].
وقال بعده :﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦].
إلى قوله :﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨].
فلما كان ما قبل هذه الآية في وصف القرآن، وما بعدها كذلك، وجب أن يكون المراد بالروح القرآن ؛ حتَّى تكون آيات القرآن كلها متناسبة ؛ لأن القوم استعظموا أمر القرآن، فسألوا : هل هو من جنس الشِّعر، أو من جنس الكهانة ؟ فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر، وإنما هو كلامٌ ظهر بأمر الله، ووحيه، وتنزيله، فقال :﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي : القرآن إنما ظهر بأمر الله ربِّي، وليس من جنس كلامِ البشر.
ورُوِيَ عن ابن عباس : أنه جبريل، وهو قول الحسن وقتادة(٩) ؛ لقوله تعالى :﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] ؛ وقوله :﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧].
ويؤكده :﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾.
وقال جبريل :﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤].
فسألوا الرسول ﷺ : كيف جبريل في نفسه ؟ وكيف يأتيه ؟ وكيف يبلغ الوحي إليه ؟.
وقال مجاهد : الرُّوحُ : خلق ليسوا من الملائكة، على صور بني آدم يأكلون، ولهم أيدٍ، وأرجلٌ، ورءوسٌ(١٠).
وقال أبو صالحٍ : يشبهون الناس، وليسوا من النَّاس(١١).
فصل
قال ابن الخطيب(١٢) : ولم أجِدْ في القرآن، ولا في الأخبار الصحيحة شيئاً يمكنُ التمسُّك به بهذا القول.
ورُوِيَ عن عليٍّ(١٣) : أنَّه ملكٌ له سبعون ألف وجهٍ، لكلِّ وجهٍ سبعون ألف لسانٍ، لكلِّ لسانٍ سبعون ألف لغةٍ، يسبِّح الله تعالى بتلك اللغات، ويخلق الله تعالى من كلِّ تسبيحةٍ ملكاً يطير مع الملائكة، قالوا : ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروحِ غير العرشِ، ولو شاء أن يبتلع السَّموات السَّبع، والأرضين السبع، وما فيها بلقمةٍ واحدةٍ لفعله، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش، وهو أقرب الخلق إلى الله عزَّ وجلَّ اليوم عند الحجب السَّبعين، ويقرب إلى الله يوم القيامة، وهو يشفع لأهل التوحيد، ولولا أنَّ بينه وبين الملائكة ستراً من نورٍ، لاحترق أهل السموات من نوره.
فصل في ضعف هذا القول
قال ابن الخطيب(١٤) : ولقائلٍ أن يقول : هذا القول ضعيفٌ ؛ لوجوهٍ :
الأول : أنَّ هذا التفصيل، إذا عرفه عليٌّ، فالنبي أولى بأن يعرفه، ويخبر به، وأيضاً : فإنَّ الوحي لم يكن ينزل على عليٍّ ؛ فهذا التفصيل ما عرفه إلا من النبي ﷺ ؛ فَلِمَ ذكر النبي هذا الشَّرح لعليٍّ، ولم يذكره لغيره ؟ !.
الثاني : أنَّ ذلك الملك، إن كان حيواناً واحداً، وعاقلاً واحداً، فلا فائدة في تكثير تلك اللغات، وإن كان المتكلِّم بكلِّ لغةٍ ملكاً ؛ فهذا مجموعُ ملائكة.
الثالث : أنَّ هذا شيء مجهول الوجود، فكيف يسأل عنه ؟ أما الروح الذي هو سبب الحياة، فهو شيء تتوفَّر دواعي العقلاء على معرفته ؛ فصرف هذا السؤال إليه أولى.
وقيل : الرُّوحُ : عيسى ؛ فإنَّه روح الله، وكلمته، والمعنى : أنَّه ليس كما يقوله اليهود، ولا كما يقوله النصارى.
وقال قومٌ : هو الرُّوحُ المركَّب في الخلق الذي يحيا به الإنسان، وهو الأصحُّ.
واختلفوا فيه ؛ فقال بعضهم : هو الدم ؛ ألا ترى [ أنَّ الإنسان ](١٥)، إذا مات لا يفوتُ منه إلا الدمُ.
وقال قومٌ : هو نفس الحيوان ؛ بدليل أنَّه يموت باحتباس النفس.
وقال قومٌ : هو عرضٌ.
وقال قومٌ : هو جسم لطيف.
وقال بعضهم : الروح معنى اجتمع فيه النُّور، والطِّيب، والعلوُّ، والعلم، والبقاء ؛ ألا ترى أنه إذا كان موجوداً، يكون الإنسان موصوفاً بهذه الصفات [ جميعها ]، وإذا خرج ذهب الكلُّ ؟ !.
فصل
في شرح مذاهب القائلين بأنَّ الإنسان جسم موجود، روح في داخل البدن.
قال ابن الخطيب(١٦) : اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفليِّ : إما أن تكون أحد العناصر الأربعة، أو ما يكون متولِّداً من امتزاجها، ويم
١ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٣٤)..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٣١..
٥ في أ: يطعن..
٦ في ب: صفة القرآن..
٧ سقط من: أ..
٨ سقط من: أ..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٤٣)..
١٠ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٣٤)..
١١ ينظر: المصدر السابق..
١٢ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٣٣..
١٣ ينظر: تفسير البغوي (٣/١٣٤)..
١٤ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٣٣..
١٥ في أ: الحيوان..
١٦ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٣٦..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ ينظر: المصدر السابق..
٤ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٣١..
٥ في أ: يطعن..
٦ في ب: صفة القرآن..
٧ سقط من: أ..
٨ سقط من: أ..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٤٣)..
١٠ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٣٤)..
١١ ينظر: المصدر السابق..
١٢ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٣٣..
١٣ ينظر: تفسير البغوي (٣/١٣٤)..
١٤ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٣٣..
١٥ في أ: الحيوان..
١٦ ينظر: الفخر الرازي ٢١/٣٦..