محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
وقوله تعالى :
[ ٨٥ ] ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ٨٥﴾.
﴿ويسألونك عن الروح﴾ قال القاشانيّ : أي الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره :﴿قل الروح من أمر ربي﴾ أي ليس من عالم الخلق حتى يمكن تعريفه للظاهرين البدنيين، الذي لا يتجاوز إدراكهم الحس والمحسوس، بالتشبيه ببعض ما شعروا به، والتوصيف. بل من عالم الأمر، أي الإبداع الذي هو عالم الذوات المجردة عن الهيولي، والجواهر المقدسة عن الشكل واللون والجهة والأين. فلا يمكنكم إدراكه أيها المحجوبون بالكون، لقصور إدراككم وعلمكم عنه :﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ هو علم المحسوسات. وذلك شيء نزر حقير بالنسبة إلى علم الله تعالى والراسخين في العلم هذا ما قاله القاشانيّ وحاصل الجواب عليه : أن الروح موجود محدث بأمره تعالى بلا مادة، وتولد من أصل كأعضاء الجسد، / حتى يمكن تعريفه ببعض مبادئه، بل هو من عالم الأمر لا من عالم الخلق. فيكون الاقتصار في الجواب على قوله :﴿قل الروح من أمر ربي﴾ كما اقتصر موسى في جواب قول فرعون ﴿وما رب العالمين﴾ (١) على قوله(٢) :﴿رب السماوات والأرض﴾ إعلاما بأن إدراكه بالكنه على ما هو عليه، لا يعلمه إلا الله تعالى. وأنه شيء بمفارقته يموت الإنسان. وبملازمته له يبقى. كما أومأ قوله تعالى :﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ أي علما قليلا تستفيدونه من طرق الحواس. وهو هذا القدر الإجماليّ.
قال الشهاب : والسؤال على هذا عن حقيقتها. والجواب إجماليّ بأنها من المبدعات من غير مادة. ولذا قيل : إنه من الأسلوب الحكيم. كما في قوله(٣) :﴿يسألونك عن الأهلّة﴾ إشارة إلى أن حقيقتها لا تعلم، وإنما يعلم منها هذا المقدار. فالمراد ب ( الأمر ) على هذا التفسير ( قول كن ) ولذا قالوا لمثله : عالم الأمر. انتهى.
قال أبو السعود عليه الرحمة : وليس هذا من قبيل قوله سبحانه(٤) :﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ فإن ذلك عبارة عن سرعة التكوين. سواء كان الكائن من عالم الأمر أو من عالم الخلق. بل إنه من الإبداعيات الكائنة بمحض الأمر التكوينيّ من غير تحصل من مادة. وحكى، عليه الرحمة، قولا آخر وهو : أن الأمر بمعنى الشأن. قال : والإضافة الاختصاص العلميّ لا الإيجادي، لاشتراك الكل فيه. وفيها من تشريف المضاف ما لا يخفى. كما في الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه. أي هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأسرار الخفية التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر. وعليه، ف ( من ) بيانية أو تبعيضية. ويكون نهيا لهم عن السؤال عنها، وتركا للبيان. وهذا رأي كثيرين. أمسكوا عن الخوض فيها، قالوا : إنها شيء استأثر الله بعلمه ولم يطلع أحدا / من خلقه. فلا يجوز البحث عنها بأكثر من أنها شيء موجود، بل غلا بعضهم وقال : إن الإفاضة في بحث الروح بدعة في الدين. إذ لم يبينه الله لرسوله بأكثر مما في الآية. فالاشتغال بالتفتيش عنه غلوّ فيما لم يرد به قرآن ولم يقم عليه برهان، وما كان كذلك فهو عناد.
وأجاب الخائضون في بحثها ؛ بأن الآية لا يدل معناها على ما ذكر دلالة قطعية، ولا دلالة فيها على المنع من الخوض فيها، ولا على أنه ﷺ لم يكن يعلمها. وغاية الأمر أنه أمر بترك الجواب عنها تفصيلا. إما لأن الإمساك عن ذلك كان عند اليهود السائلين عنها، ومن دلائل نبوته ﷺ، أو لأن سؤالهم كان تعنتا. فإنها تطلق على معان : منها الراحة وبرد النسيم. وعلى جبريل والقرآن وعيسى عليه السلام والحياة والقلب والرحمة وغير ذلك. فأضمروا على أنه إذا أجاب بأحد هذه الأمور، قالوا : لم نرده، وإنما أردنا كذا.
ثم الأقاويل فيها من الحكماء والعلماء الأقدمين مختلفة. ولا يتم الجواب في محل الخلاف. فأوتي بالجواب مجملا على وجه يصدق على كل من ذلك مرموزا، ليعلمه العلماء بالله. واقتضت المصلحة العامة منع الكلام فيه لغيرهم. لأن الأفهام لا تحتمله. خصوصا على طريقة الحكماء إذ من غلب على طبعه الجمود لا يقبله ولا يصدق به في صفة الباري. فكيف يصدق به في حق الروح الإنسانيّ. بل قال بعض المدققين : إن في الآية الجواب ببيان حقيقتها، وأنها من إبداعاته الكائنة بتكوينه، من غير سبق مادة وهو ما ذكرناه أولا وفي الجواب بذلك ما فيه الكفاية لذوي البصائر والدراية. ومقنع لمن كان في النزاع، إذا فصل، مطمع. وقد استحسن بعضهم هذا الجواب وقال مذيلا له : فيكون قوله :﴿قل الروح من أمر ربي﴾ على أن السؤال عن حقيقتها مطابقا- إلا أنه إجمالي. أي من الممكنات التي يمكن الوقوف على حقائقها، وإن كان بإعمال روية وإيقاظ فكر كباقي عالم الأمر. وعلى أن السؤال عن قدمها وحدوثها كذلك. إلا أنه تفصيلي. وأيّا ما كان، فلم يترك / بيانها. ولو كانت مما لا سبيل إلى معرفته لقيل :﴿قل إنما علمها عند ربي﴾ كما قيل في الساعة، أو نحو ذلك. بل لو لم يكن السبيل لمعرفته، ولو بوجه ما، متيسّرا لكثير من الناس، لم يكن لأمره بالتفكر فيها. والتبصّر في أمرها، للاستدلال بها عليه، والتوصل بواسطة معرفتها إليه، الذي هو الغاية القصوى والثمرة العظمى من فائدة. بل كان عبثا. فدل قوله تعالى(٥) :﴿أو لم يتفكروا في أنفسهم﴾ وقوله(٦) :﴿وفي أنفسكم، أفلا تبصرون﴾ ونحو ذلك، أنها أمر تدركه العقول، وبه يكون إليه تعالى الوصول.
ثم إن الذين خاضوا في البحث عنها، أثرت عنهم أقوال شتى. وقد أفردت لذلك تآليف قديمة وحديثة، والذي يهمنا معرفته ما عول عليه الأئمة المدققون، الذين نقبوا عن أقوال المتقدمين، ونقدوها بمحك الكتاب والسنة، فنبذوا ما يخالفهما وتمسكوا بما يوافقهما.
فمنهم الإمام ابن حزم. قال رحمه الله في كتابه :( الملل والنحل ) بعد سرد مذاهب شتى : وذهب سائر أهل الإسلام والملل المقرة بالمعاد، إلى أن النفس جسم طويل عريض عميق ذات مكان. عاقلة مميزة مصرّفة للجسد. قال : وبهذا نقول. والنفس والروح اسمان لمسمى واحد، ومعناهما واحد. ثم قال : وأما من ذهب إلى أن النفس ليس جسما، فقول يبطل بالقرآن والسنة وإجماع الأمة. فأما القرآن، فإن الله عز وجل قال(٧) :﴿هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت﴾ وقال تعالى(٨) :﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم﴾ وقال تعالى(٩) :﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ فصح أن النفس هي الفعالة الكاسبة المجزية المخطئة. وقال تعالى(١٠) :﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ وقال تعالى(١١) :﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾. وقال تعالى(١٢) :﴿ولا تقولوا لمن يقتل / في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾ وقال تعالى(١٣) :﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾ فصح أن الأنفس، منها ما يعرض على النار قبل يوم القيامة، فيعذب. ومنها ما يرزق وينعم فرحا، ويكون مسرورا قبل يوم القيامة. ولا شك أن أجساد آل فرعون وأجساد المقتولين في سبيل الله، قد تقطعت أوصالها وأكلها السباع والطير وحيوان الماء. فصح أن الأنفس منقولة من مكان إلى مكان. ولا شك في أن العرض لا يلقى العذاب ولا يحسّ، فليست عرضا. وصح أنها تنتقل في الأماكن قائمة بنفسها، وهذه صفة الجسم لا صفة الجوهر عند القائل به، فصح، ضرورة، أنها جسم.
وأما من السنن فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم(١٤) :" إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة " وقوله صلى الله عليه وسلم(١٥) : إنه " رأى نسم بني آدم عند سماء الدنيا عن يمين آدم ويساره " فصح أن الأنفس مرئية في أماكنها، وقوله عليه السلام(١٦) :" إن نفس المؤمن إذا قبضت، عرج بها إلى السماء وفعل بها كذا. ونفس الكافر إذا قبضت فعل بها كذا " فصح أنها معذبة ومنعمة ومنقولة في الأماكن، وهذه صفة الأجسام ضرورة
وأما من الإجماع، فلا اختلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن أنفس العباد منقولة بعد خروجها من الأجساد، إلى نعيم أو إلى صنوف ضيق وعذاب. وهذه صفة الأجسام.
ثم قال : ومعنى قول الله تعالى :﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ / إنما هو لأن الجسد مخلوق من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم عظما ثم لحما ثم أمشاجا. وليس الروح كذلك. وإنما قال الله تعالى آمرا له بالكون ﴿كن فيكون﴾. فصح أن النفس والروح والنسمة أسماء مترادفة لمعنى واحد، وقد يقع الروح أيضا على غير هذا. فجبريل عليه السلام الروح الأمين. والقرآن روح من عند الله.
وقال ابن حزم أيضا، قبل ذلك، في بحث عذاب القبر : والذي نقول به في مستقر الأرواح، هو ما قاله الله تعالى ونبيه ﷺ لا نتعداه. فهو البرهان الواضح وهو أن الله تعالى قال(١٧) :﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ وقال تعالى(١٨) :﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا﴾ فصح أن الله عز وجل خلق الأرواح جملة، وهي الأنفس. وكذلك أخبر عليه السلام(١٩) :" إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " وهي العاقلة، الحساسة وأخذ عز وجل عهدها وشهادتها وهي مخلوقة مصورة عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، على جميعهم السلام. وقبل أن يدخلها في الأجساد. والأجساد يومئذ تراب وماء. ثم أقرّها تعالى حيث شاء. لأن الله تعالى ذكر ذلك بلفظة ﴿ثم﴾ التي توجب التعقيب والمهلة. ثم أقرها عز وجل حيث شاء. وهو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت. لا تزال يبعث منها الجملة، بعد الجملة. فينفخها في الأجساد المتولدة من المني، المنحدر من أصلاب الرجال وأرحام النساء. كما قال تعالى(٢٠) :﴿ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم / كان علقة فخلق فسوّى﴾ وقال عز وجل(٢١) :﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين *ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما﴾ الآية وكذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢٢) أنه :" يجمع خلق ابن آدم في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح " فيبلوهم الله عز وجل في الدنيا كما شاء. ثم يتوفاهم فترجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول الله ﷺ ليلة أسري به عند سماء الدنيا : أرواح أهل السعادة عن يمين آدم عليه الصلاة والسلام، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره عليه السلام. وذلك عند منقطع العناصر، وتعجل أرواح الأنبياء عليهم السلام وأرواح الشهداء إلى الجنة.
وقد ذكر محمد بن نصر المروزيّ عن إسحاق بن راهويه، أنه ذكر هذا القول الذي قلنا بعينه، وقال : على هذا أجمع أهل العلم.
ثم قال ابن حزم : ولا تزال الأرواح هنالك، حتى يتم عدد الأرواح كلها بنفخها في أجسادها ثم برجوعها إلى البرزخ المذكور. فتقوم الساعة. ويعيد عز وجل الأرواح ثانية إلى الأجساد. وهي الحياة الثانية. ويحاسب الخلق : فريق في الجنة وفريق في السعير، مخلدين أبدا، انتهى.

فصل :


ومنهم شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، عليه الرحمة، قال في :( تفسير سورة الإخلاص ) بعد أن ذكر ن
١ [٢٦ / الشعراء / ٢٣]..
٢ [٢٦ / الشعراء / ٢٤]..
٣ [٢ / البقرة / ١٨٩]..
٤ [٣٦ / يس / ٨٢]..
٥ [٣٠ / الروم / ٨]..
٦ [٥١ / الذاريات / ٢١]..
٧ [١٠ / يونس / ٣٠]..
٨ [٤٠ / غافر / ١٧]..
٩ [٥٢ / الطور / ٢١]..
١٠ [١٢ / يوسف / ٥٣]..
١١ [٤٠ / غافر / ٤٦]..
١٢ [٢ / البقرة / ١٥٤]..
١٣ [٣ / آل عمران / ١٦٩ و ١٧٠]..
١٤ أخرجه مسلم في: ٣٣- كتاب الإمارة، حديث رقم ١٢١ (طبعتنا) عن عبد الله بن مسعود..
١٥ انظر حديث الإسراء الذي أخرجه البخاري في: ٨- كتاب الصلاة، ١- باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، حديث: ٢٣٥ عن (أبي ذر)..
١٦ أخرجه ابن ماجة في: ٣٧ – كتاب الزهد، ٣١- باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث ٤٢٦٢، عن أبي هريرة (طبعتنا)..
١٧ [٧ / الأعراف / ١٧٢]..
١٨ [٧ / الأعراف / ١١]..
١٩ أخرجه البخاري في: ٦٠ - كتاب الأنبياء، ٢- باب الأرواح جنود مجندة، حديث رقم ١٥٧٦، عن عائشة. وأخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم ١٥٩، عن أبي هريرة (طبعتنا)..
٢٠ [٧٥ / القيامة / ٣٧ و ٣٨]..
٢١ [٢٣ / المؤمنون / ١٢- ١٣]..
٢٢ أخرجه البخاري في: ٥٩- كتاب بدء الخلق، ٦- باب ذكر الملائكة، حديث ١٥١٤، عن عبد الله بن مسعود..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى