كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ ؛ أي من يُوَفِّقْهُ اللهُ لدينهِ بالطاعة فهو المهتدي، ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ ؛ أي مَن يخذُلْهم عن دينهِ، ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ﴾ ؛ يَهدُونَهم من دون الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً﴾ ؛ عما يسُرُّهم، ﴿وَبُكْماً﴾ ؛ عما ينفعُهم، ﴿وَصُمّاً﴾ ؛ عما يَمنَعُهم.
وَقِيْلَ : يُحشَرون في أول الحشرِ عُمياً وبُكماً وصُمّاً على هذه الصفةِ، ثم تزولُ هذه الصفات عنهم فيَرَونَ ويتكلَّمون ويسمعون كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ﴾[الكهف: ٥٣] وقال﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾[الفرقان: ١٢] وقال﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾[الفرقان: ١٣]. ويقالُ : إنه لَمْ يُرِدْ بالحشرِ في هذه الآية الحشرَ عن القبرِ، وإنما أرادَ به الحشرَ عن موضعِ الْمُحاسَبَة، فإنَّهم يُسحَبُونَ عن ذلك الموضعِ على وجُوهِهم على هذه الصِّفاتِ. وعن أنسٍ :" أنَّ رَجُلاً قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافُِ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ :" إنَّ الَّذِي أمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُمْشِيهِ عَلَى وَجْهِهِ ".
وعن أبي هريرةَ قال : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أصْنَافٍ : صِنْفٌ مُشَاةٌ، وَصِنْفٌ رُكْبَانٌ، وَصِنْفٌ عَلَى وُجُوهِهِمْ " قِيْلَ : يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ ؟ قَالَ :" إنَّ الَّذِي أمْشَاهُمْ عَلَى أرْجُلِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، يَتَّقُونَ بوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ؛ أي مَصيرُهم إليها. وقولهُ تعالى :﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ ؛ أي كلَّما سَكَنَ لَهبُها من جانبٍ زدنَاها اشْتِعَالاً من جانبٍ آخر، يقالُ للنار اذا سَكَنَ لَهبُها : خَمَدَتْ، فَإذا أُطْفِئَتْ ولَمْ يبقَ فيها شيءٌ من النارِ قِيْلَ : هَمَدَتْ، وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَبَتْ﴾ أيْ سَكَنَتْ)، وقال مجاهدُ :(طُفِئَتْ)، وقال قتادةُ :(لاَنَتْ وَضَعُفَتْ)، وقولهُ تعالى :﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي وَقُوداً.
ثم بَيَّنَ اللهُ تعالى لماذا يزدَادُون سَعيراً، فقال تعالى :﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ؛ أي ذلك العذابُ جزاءُ كُفرِهم بدلاَئِلنا، وإنكارِهم للبعثِ، وهو قولُهم :﴿وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى