التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد هذا التهديد الشديد للأفاكين.. إلى بيان جانب من النعم التي أنعم بها - سبحانه - على عباده، ودعت المؤمنين إلى الصبر والصفح، فقال - تعالى - ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ.... ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله - تعالى - ﴿سَخَّرَ﴾ من التسخير بمعنى التذليل والتيسير. يقال : سخر الله - تعالى - الإِبل للإِنسان، إذا ذللها له، جعلها منقادة لأمره.
أي : الله - تعالى - وحده، هو الذي بقدرته ورحمته ﴿سَخَّرَ لَكُمُ البحر﴾ بأن جعلكم متمكنين من الانتفاع بخيراته، وبأن جعله على هذه الصفة التي تستطيعون منها استخراج ما فيه من خيرات.
وقوله :﴿لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ بيان لبعض الأسباب التي من أجلها سخر الله - تعالى - البحر على هذه الصفة.
أي : جعل لكم البحر على هذه الصفة، لكي تتمكن السفن من الجري فيه بأمره - تعالى - وقدرته، ولتطلبوا ما فيه من خيرات، تارة عن طريق استخراج ما فيه من كنوز، وتارة عن طريق التجارة فيها.. وكل ذلك بتيسير الله - تعالى - وفضله ورحمته بكم.
وقوله :﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ متعلق بمحذوف. أي : أعطاكم ما أعطاكم من النعم، وجعل البحر على صفة تتمكنون معها من الجري فيه وأنتم في سفنكم، ومن استخراج ما فيه من خيرات.. لعلكم بعد ذلك تشكرون الله - تعالى - على هذه النعم، وتستعملونها فيما خلقت من أجله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى