المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾ الآية، آية نزلت في صدر الإسلام، أمر الله المؤمنين فيها أن يتجاوزوا عن الكفار وأن لا يعاقبوهم بذنب، بل يأخذون أنفسهم بالصبر، قاله محمد بن كعب القرظي والسدي. قال أكثر الناس : وهذه آية منسوخة بآية القتال، وقالت فرقة : الآية محكمة، والآية تتضمن الغفران عموماً، فينبغي أن يقال : إن الأمور العظام كالقتل والكفر مجاهرة ونحو ذلك قد نسخ غفرانه آية السيف والجزية وما أحكمه الشرع لا محالة، وإن الأمور المحقرة كالجفاء في القول ونحو ذلك يحتمل أن يتقى محكمه، وأن يكون العفو عنها أقرب إلى التقوى. وقال ابن عباس لما نزلت :﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً﴾(١) [البقرة: ٢٤٥] قال فنحاص اليهودي : احتاج رب محمد، فأخذ عمر سيفه ومر ليقتله، فرده رسول الله ﷺ وقال :«إن ربك يقول :﴿قل للذين آمنوا﴾ » الآية، فهذا احتجاج بها مع قدم نزولها. وقد ذكر مكي وغيره أنها نزلت بمكة في عمر رضي الله عنه لما أراد أن يبطش بمشرك شتمه. وأما الجزم في قوله :﴿يغفروا﴾ فهو جواب شرط مقدر تقديره : قل اغفروا فإن يجيبوا يغفروا.
وأخصر عندي من هذا أن ﴿قل﴾ هي بمثابة : اندب المؤمنين إلى الغفر(٢).
وقوله :﴿أيام الله﴾ قالت فرقة معناه : أيام إنعامه ونصره وتنعيمه في الجنة وغير ذلك، ف ﴿يرجون﴾ على هذا هو من بابه. وقال مجاهد :﴿أيام الله﴾ تعالى هي أيام نقمه وعذابه، ف ﴿يرجون﴾ على هذا هي التي تتنزل منزلة يخافون، وإنما تنزلت منزلتها من حيث الرجاء والخوف متلازمان لا تجد أحدهما إلا والآخر معه مقترن، وقد تقدم شرح هذا غير مرة، وقرأ جمهور القراء «ليجزي » بالياء على معنى : ليجزي الله. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والأعمش وأبو عبد الرحمن وابن وثاب :«لنجزي » بالنون. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بخلاف عنه «ليُجزَى » على بناء الفعل للمفعول «قوماً »، وهذا على أن يكون التقدير : ليجزي الجزاء قوماً(٣)، وباقي الآية وعيد.
١ من الآية(٢٤٥) من سورة (البقرة)، وتكررت في الآية (١١) من سورة (الحديد)..
٢ ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية(٥٣) من سورة (الإسراء):﴿وقل لعبادي آمنوا يقيموا الصلاة﴾، والفراء يرى أنه مجزوم بالتشبيه بالجزاء والشرط..
٣ هذا تقدير الكسائي، ونظيره في ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء:﴿وكذلك نجي المؤمنين﴾ على قراءة ابن عامر، وأبي بكر، ومثل هذا جاء في قول جرير يهجو الفرزدق ويعيره بأمه قُفيرة:
ولو ولدت قُفيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكِلابا
إذ التقدير: لسب السب. ولكن الجمهور لا يجيز ذلك، ولهذا قال أبو عمرو عن هذه القراءة:"هذا لحن ظاهر"، وهناك تأويلات أخرى نجدها في كتب التفسير لتخريج هذه القراءة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى