مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
﴿أَمْ حَسِبَ الذين﴾ «أم » منقطعة ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان ﴿اجترحوا السيئات﴾ اكتسبوا المعاصي والكفر، ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله أي كاسبهم ﴿أَن نَّجْعَلَهُمْ﴾ أن نصيرهم وهو من «جعل » المتعدي إلى مفعولين فأولهما الضمير والثاني الكاف في ﴿كالذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ والجملة التي هي ﴿سَوَآءً محياهم ومماتهم﴾ بدل من الكاف ؛ لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، ﴿سَوَآء﴾ علي وحمزة وحفص بالنصب على الحال من الضمير في ﴿نَّجْعَلَهُمْ﴾ ويرتفع ﴿محياهم ومماتهم﴾ ب ﴿سَوَآء﴾. وقرأ الأعمش ﴿ومماتهم﴾ بالنصب جعل ﴿محياهم ومماتهم﴾ ظرفين كمقدم الحاج أي سواء في محياهم وفي مماتهم. والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محياً وأن يستووا مماتاً لافتراق أحوالهم أحياء، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات وأولئك على اقتراف السيئات، ومماتاً حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والكرامة وأولئك على اليأس من الرحمة والندامة، وقيل : معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة في الرزق والصحة، وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية فجعل يبكي ويردد إلى الصباح، وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكي ويقول : يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ بئس ما يقضون إذا حسبوا أنهم كالمؤمنين فليس من أقعد على بساط الموافقة كمن أقعد على مقام المخالفة، بل نفرق بينهم فنعلي المؤمنين ونخزي الكافرين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى