الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، أي : أيحسب الكفار بالله عز وجل المكتسبون(١) الكبائر أن يكونوا كالمؤمنين بالله عز وجل المجتنبين الكبائر.
ويدل على أن المراد بالمكتسبين(٢) السيئات في هذه الآية الكفار قوله :( كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ). فذكر الإيمان مع العمل، ولو كانوا مؤمنين لقال : كالذين عملوا(٣) الصالحات ولم يذكر الإيمان.
ثم قال :﴿سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾.
قال مجاهد معناه : إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه والكافر يموت على كفره ويبعث عليه(٤). وقال أبو الدرداء :( يبعث الناس على ما ماتوا عليه )(٥).
هذا معنى قراءة من رفع ( سواء )(٦) فجعله(٧) مبتدأ ( ومحياهم ) خبر، ومماتهم عطف على ( محياهم )(٨).
وإنما حَسُنَ الرفع في ( سواء ) ( لأن الفعل )(٩) قد استوفى مفعوليه فارتفع ( سواء ) على الابتداء، كما قيل ( سواء العاكف فيه والبادي )(١٠).
وإنما اختير الرفع في ( سواء ) لأنه اسم في معنى المصدر فلم يحسن جريه على الأول فارتفع بالابتداء إذ الفعل قد تعدى إلى مفعوليه.
ولو كان في موضع ( سواء ) مستو لحسن النصب لأنه يجري على الأول(١١)، فينصب مع المعرفة على الحال وهذا هو الاختيار عند سيبويه وجميع النحويين.
ويجوز النصب عند سيبويه وغيره كما أجاز : مررت برجل سواء عليه الخير والشر، فإذا نصبت على الحال، إذ قبله معرفة(١٢).
فكما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالا للمعرفة وهو بعيد، لأن الأسماء التي ليست بجارية على الفعل، الرفع الاختيار فيها عند النحويين(١٣) إذا رفعت ظاهرا بعدها(١٤).
وبالنصب قرأ حفص(١٥) وحمزة والكسائي(١٦) على الحال من الهاء(١٧) والميم في ( نجعلهم ).
وقرأ الأعمش ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾ بالنصب في ذلك كله(١٨) ينصب(١٩) ( سوا ) على الحال، وينصب(٢٠) ( محياهم ومماتهم ) على تقدير في محياهم ومماتهم كأنه يجعله ظرفا.
ويجوز أن يكون ﴿محياهم ومماتهم﴾ بدلا من الهاء والميم في ﴿نجعلهم﴾ فيصير المعنى :( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعل محياهم ومماتهم سواء )(٢١)، أي كمحيى(٢٢) الذين آمنوا ومماتهم(٢٣). والوقف على ( الصالحات ) حسن عند نافع(٢٤) وأبي عبيدة على قراءة من رفع.
وقال غيرهما : من نصب سواء وقف عليه. وهو بعيد لا وجه له، لأن ( محياهم ) مرتفع ( بسواء )(٢٥). والتمام عند الأخفش :( ومماتهم ) وعند غيره ( يحكمون )(٢٦).
ومعنى ( ساء ما يحكمون ) :( بيس الحكم يحكمون إن حسبوا ذلك وظنوه.
و( ما ) في موضع رفع إن جعلتها(٢٧) معرفة. وفي موضع نصب على البيان إن جعلتها نكرة(٢٨).
قال مجاهد في معنى الآية : محيى المسلمين ومماتهم، كلاهما محمود، ومحيى الكفار ومماتهم مذموم، فلا يستويان(٢٩).
١ (ت): (المكتسبين)..
٢ (ت): (المكتسبين)..
٣ (ح): (آمنوا وعملوا)..
٤ انظر تفسير مجاهد ٢/٥٩١، وجامع البيان ٢٥/٨٩، وإعراب النحاس ٤/١٤٦، والمحرر الوجيز ١٤/٣١٤، وجامع القرطبي ١٦/١٦٦..
٥ أخرجه الحاكم في مستدركه ٢/٤٥٢ وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ورمز الذهبي في التلخيص إلى تخريجه من قبل مسلم ٢/٤٥٢.
قلت: أخرجه مسلم في كتاب الجنة ٥١ ب ١٩ ح ٨٣ ج ٤/٢٢٠٦ كلهم بمعناه عن جابر بن عبد الله مرفوعا، وذكره النحاس في إعرابه ٤/١٤٦ بلفظه عن أبي الدرداء موقوفا..

٦ (ت): (سوء)..
٧ (ح): (يجعله)..
٨ ما بين المعقوفتين نسخ مرتين في (ت). وانظر مشكل إعراب القرآن ٢/٦٦٢، ومعاني الأخفش ٢/٦٩٢، وإعراب النحاس ٤/١٤٥، والبيان في غريب إعراب القرآن ٢/٣٥٦. وقد قرأ بالرفع: ابن كثير ونافع، وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر.
انظر الكشف ٢/٢٦٨، وحجة القراءات ٦٦١، والسبعة ٥٩٥، وغيث النفع ٣٥٠، وإعراب النحاس ٤/١٤٥..

٩ (ح): (لأنه جعل)..
١٠ الحج آية ٢٣..
١١ (ح): (ما الأول)..
١٢ انظر البيان في غريب إعراب القرآن ٢/٣٦٥..
١٣ (ح): (جميع النحويين)..
١٤ تعبير فيه ركة. والله أعلم..
١٥ هو حفص بن عمر بن عبد العزيز الأزدي الدوري، أبو عمر، إمام القراءة في عصره، كان ثقة ثتتا ضابطا. توفي سنة ٢٤٦ هـ. انظر البداية والنهاية ٣٤٧، والنشر ١/١٣٤، والأعلام ٢/٢٦٤..
١٦ انظر الكشف ٢/٢٦٨، وحجة القراءات ٦٦١، والسبعة ٥٩٥، وإعراب النحاس ٤/١٤٥، وغيث النفع ٣٥٠..
١٧ (ح): (أساء)..
١٨ انظر جامع القرطبي ١٦/١٦٥..
١٩ (ت): (ينصب)..
٢٠ (ت): (وينصب)..
٢١ (ح): (سواء كالذين آمنوا)..
٢٢ في طرة (ت)..
٢٣ انظر جامع القرطبي ١٦/١٦٦..
٢٤ هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي المدني: أبو رويم، أحد القراء السبعة انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة. توفي سنة ١٦٩ هـ.
انظر حجة القراءات ٥١، وغاية النهاية ٢/٣٣٠ ت ٣٧١٨، والنشر ١/١١٢..

٢٥ (ح): (سواء)..
٢٦ انظر المكتفى ٥١٧، ومنار الهدى ٢٩٠، والمقصد ٤٩..
٢٧ (ت): (جعلتها)..
٢٨ انظر إعراب النحاس ٤/١٤٧..
٢٩ انظر جامع البيان ٢٥/٨٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى