التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري

عن الكتاب
سورة الجن
مكيّة وهى ثمان وعشرون اية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ النفر من الثلاثة الى العشرة فقيل كانوا تسعة من جن نصيبين وقيل كانوا سبعة والجن أجسام ذات أرواح كالحيوان عاقلة كالانسان خفية عن أعين الناس ولذا سميت جنا خلقت من النار كما خلق آدم من طين قال الله تعالى والجان خلقناه من قبل من نار السموم تتصف بالذكورة والأنوثة وتتوالد والظاهر ان الشياطين قسم منهم بخلاف الملائكة فانهم لا يتصفون بالذكورة ولا بالانوثة ووجود الجن والشياطين والملائكة ثابت بالشرع وأنكره الفلاسفة وليست العقول العشرة التي اخترعها الفلاسفة من الملائكة من شى حيث يزعمونها مجردات بخلاف الملائكة فانها أجسام ذات أرواح والله تعالى اعلم وسوق هذا الكلام يقتضى ان النبي - ﷺ - لم ير الجن وانما اتفق حضورهم فى بعض اوقات قراءته فاستمعوها فقص الله ذلك على رسوله فيما اوحى اليه اخرج الشيخان والترمذي وغيرهم عن ابن عباس رض قال ما قرأ رسول الله - ﷺ - على الجن ولا رايهم ولكنه انطلق مع طائفة من أصحابه عامدين الى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فقالوا ما هذا الا بشى قد حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا هذا الذي حدث فانطلقوا فانصرف النفر الذين توجهوا نحو تهامه لى رسول الله - ﷺ - وهو بنخلة يصلى بأصحابه صلوة الفجر فلما سمعوا القران استمعوا له فقالوا هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك رجعوا الى قومهم فقالوا يا قومنا انا سمعنا قرانا عجبا إلخ فانزل الله تعالى على نبيه قل اوحى الى قول الجن وقال اكثر المفسرين لما مات ابو طالب خرج رسول الله - ﷺ - وحده الى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه فروى محمد بن اسحق عن يزيد بن زياد عن محمد للقرظى انه قال لما انتهى رسول الله - ﷺ - الى الطائف عمد الى نفر من ثقيف وهم يومئذ سادت ثقيف واشرافهم وهم اخوة ثلثة عبد يا ليل ومسعود وحبيب بنو عمير وعند أحدهم امرأة من قريش
من بنى جمح فجلس إليهم فدعاهم الى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال له أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة ان كان أرسلك الله وقال الاخر اما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله ما أكلمك ابدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لانت أعظم خطرا من ان أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله فلا ينبغى لى ان أكلمك فقام رسول الله - ﷺ - وقد يئس من خير ثقيف وقال لهم إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنّى وكره رسول الله - ﷺ - ان يبلغ قومه فيزيد ذلك فى تجرئهم عليه فلم يفعلوا واغروا به سفهائهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس والجره الى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان تبعه فعمد الى ظل جنة من عتب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران اليه ويريان ما لقى من سفهاء ثقيف وقد لقى رسول الله - ﷺ - تلك المرأة من بنى جمح فقال لها ماذا لقينا من احمانك فلما اطمئن رسول الله - ﷺ - قال اللهم انى أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهو انى على الناس وأنت ارحم الراحمين وأنت رب المستضعفين فانت ربى الى من تكلنى الى بعيد يتجّهمنى الى او الى عدو ملكته امرى ان لم يكن بك على غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هى أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه امر الدنيا والاخرة من ان تنزل بي غضبك او يحل علىّ سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة الا بك فلما رأه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس فقالا له خذ قطفا من هذا العنب وضعه فى ذلك الطبق ثم اذهب به الى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس ثم اقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله - ﷺ - فلما وضع ومد رسول الله - ﷺ - يده قال باسم الله ثم أكل فنظر عداس الى وجهه فقال والله ان هذا الكلام ما يقول اهل هذه البلدة قال رسول الله - ﷺ - من اى البلاد أنت يا عداس وما دينك قال انا نصرانى
وانا رجل من اهل نينوى فقال رسول الله - ﷺ - أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى قال وما يدريك يونس بن متى قال رسول الله - ﷺ - ذلك أخي كان نبيا وانا نبى فاكب عداس على رسول الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم فقبل راسه ويديه وقدميه قال فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه اما غلامك فقد أفسده عليك فلما جائهما عداس قالا له ويلك يا عداس ما لك تقبل راس هذا الرجل ويديه وقدميه قال يا سيدى ما على الأرض خير من
هذا الرجل فقد أخبرني بامر ما يعلمه الا نبى فقال ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فان دينك خير من دينه ثم ان رسول الله - ﷺ - انصرف من الطائف راجعا الى مكة حين يئس من خبر ثقيف حتى إذا قام بنخلة قام من جوف الليل يصلى فمر به نفر من جن نصيبين اليمن فاستمعوا له فلما فرغ من صلوته ولوا الى قومهم منذرين قد أمنوا وأجابوا لما سمعو فقص الله سبحانه تعالى خبرهم عليه واخرج ابن الجوزي فى كتاب الصفوة بسنده عن سهل بن عبد الله قال كنت فى ناحية وزاعا وإذا رايت مدينة من حجر منقور فى وسطها قصر من حجارة تأويه الجن فدخلت فاذا شيخ عظيم الخلق يصلى الى الكعبة وعليه جبة صوف فيها طراوة فلم أتعجب من عظم خلقته كتعجبى من طرارة جبته فسلمت عليه فرد على السلام وقال يا سهل ان الأبدان لا يخلق الثياب وانما يخلقها روايح الذنوب ومطاعم السحت وان هذه الجبة على منذ سبع مائة سنة لقيت بها عيسى ومحمدا عليهما السلام فامنت بهما فقلت له ومن أنت قال من الذين نزلت فيهم قل اوحى الى نفر من الجن وقال جماعه بل امر رسول الله - ﷺ - ان ينذر الجن ويدعوهم الى الله يقرأ عليهم القران فصرفوا اليه نفر من الجن من نينوى وجمعهم له فقال رسول الله - ﷺ - انى أمرت ان اقرأ على الجن الليلة فايكم يتبعنى فاطرقوا ثم استتبعهم فاتبعه عبد الله بن مسعود رض قال عبد الله ولم يحضر معنا غيرى فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل بنى الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وأصحابه وسلم شعبا يقال له شعب الحجون وخط الى خطا ثم أمرني ان اجلس فيه وقال لا يخرج منه حتى أعود إليك ثم انطلق حتى قام فافتتح القران فجعلت ارى مثل النسور تهوى وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبى الله صلى الله تعالى عليه واله وسلم وغشيته اسودة كثيرة حالت بينى وبينه حتى ما اسمع صوته ثم طفقوا ينقطعون مثل قطع السحاب الذاهبين ففرغ رسول الله ﷺ مع الفجر فانطلق الى فقال أنمت قلت لا والله يا رسول الله ولقد هممت مرارا ان استغيث بالناس حتى سمعتك تقرع بعصاك تقول اجلسوا قال لو خرجت لم أمن عليك ان يتخطفك بعضهم ثم قال رأيت شيئا قلت نعم رأيت رجلا اسود مشتفرى ثياب بيض قال أولئك جن نصيبين سألونى المتاع والمتاع الزاد فمنعتهم لكل عظم عايل وروث وبعرة فقال يا رسول الله يقذرها الناس فنهى رسول الله ﷺ ان يستنجى بالعظم والروث قال فقلت يا رسول الله وما يغنى ذلك عنهم قال انهم لا يجدون عظما الا وجدوا عليه لحمه يوم يوكل ولا روثة الا وجدوا فيها حبها يوم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى