فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ قرأ الجمهور :﴿أُوحِيَ﴾ رباعياً. وقرأ ابن أبي عبلة وأبو إياس والعتكي عن أبي عمرو :«وحي » ثلاثياً، وهما لغتان. واختلف هل رآهم النبيّ ﷺ أم لم يرهم ؟ فظاهر القرآن أنه لم يرهم، لأن المعنى : قل يا محمد لأمتك : أوحي إليّ على لسان جبريل ﴿أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن﴾ ومثله قوله :﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن يَسْتَمِعُونَ القرءان﴾ [الأحقاف: ٢٩] ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس قال : ما قرأ رسول الله ﷺ على الجنّ وما رآهم. قال عكرمة : والسورة التي كان يقرؤها رسول الله ﷺ هي ﴿اقرأ باسم رَبّكَ الذي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] وقد تقدّم في سورة الأحقاف ذكر ما يفيد زيادة في هذا. قوله :﴿أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن﴾ هذا هو القائم مقام الفاعل، ولهذا فتحت أنّ، والضمير للشأن، وعند الكوفيين والأخفش يجوز أن يكون القائم مقام الفاعل الجارّ والمجرور، والنفر اسم للجماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة. قال الضحاك : والجنّ ولد الجانّ وليسوا شياطين. وقال الحسن : إنهم ولد إبليس. قيل : هم أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية والهوائية. وقيل : نوع من الأرواح المجرّدة. وقيل : هي النفوس البشرية المفارقة لأبدانها.
وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجنّ الجنة، كما يدخل عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك :﴿وجعلناها رُجُوماً للشياطين وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير﴾ [الملك: ٥] وقول الجنّ فيما سيأتي في هذه السورة :﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن : يدخلون الجنة، وقال مجاهد : لا يدخلونها، وإن صرفوا عن النار. والأوّل أولى لقوله في سورة الرحمن :﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ﴾ [ الرحمن : ٧٤. ٥٦ ] وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك فراجعها، وقد قدّمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلاً منهم، بل الرسل جميعاً من الإنس، وإن أشعر قوله :﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] بخلاف هذا، فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز دالة على أن الله سبحانه لم يرسل الرسل إلاّ من بني آدم، وهذه الأبحاث الكلام فيها يطول، والمراد الإشارة بأخصر عبارة. ﴿فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءانَاً عَجَباً﴾ أي قالوا لقومهم لما رجعوا إليهم : أي سمعنا كلاماً مقروءاً عجباً في فصاحته وبلاغته. وقيل : عجباً في مواعظه. وقيل : في بركته، وعجباً مصدر وصف به للمبالغة، أو على حذف المضاف : أي ذا عجب، أو المصدر بمعنى اسم الفاعل : أي معجباً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس قال : انطلق النبيّ ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا : ما لكم ؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلاّ شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، لتعرفوا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبيّ ﷺ، وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له قالوا : هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك حين رجعوا إلى قومهم ﴿فَقَالُواْ﴾ يا قومنا ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ يَهْدِى إِلَى الرشد فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً﴾ فأنزل الله على نبيه ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن﴾ وإنما أوحي إليه قول الجنّ. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله :﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن﴾ قال : كانوا من جنّ نصيبين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبّنَا﴾ قال : آلاؤه وعظمته. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : أمره وقدرته. وأخرج ابن مردويه، والديلمي، قال السيوطي بسندٍ واهٍ عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً في قوله :﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ قال : إبليس. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي في الضعفاء، والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن عساكر عن عكرمة بن أبي السائب الأنصاري قال : خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أوّل ما ذكر رسول الله ﷺ بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، فأخذ حملاً من الغنم، فوثب الراعي فقال : يا عامر الوادي أنا جارك، فنادى منادٍ يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم وأنزل الله على رسوله بمكة ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن﴾ الآية. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿فَزَادوهُمْ رَهَقاً﴾ قال : إثماً. وأخرج ابن مردويه عنه قال : كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا : نعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ ما فيه، فلا يكون بشيء أشدّ ولعاً منهم بهم، فذلك قوله :﴿فَزَادوهُمْ رَهَقاً﴾. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال : كانت الشياطين لهم مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً، فأما الكلمة فتكون حقاً، وأما ما زادوا فيكون باطلاً، فلما بعث رسول الله ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك. فقال لهم : ما هذا إلاّ من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله ﷺ قائماً يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه، فقال : هذا الحدث الذي حدث في الأرض. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿وَأَنَّا مِنَّا الصالحون وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ يقول : منا المسلم ومنا المشرك، و ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾ أهواء شتى. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ قال : لا يخاف نقصاً من حسناته ولا زيادة في سيئاته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى