اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿قُلْ إِنْ أدري أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾، يعني : قيام الساعة لا يعلمه إلاَّ اللَّهُ فهو غيب لا أعلم منه إلا ما يعلمنيه الله تعالى جلت قدرتهُ.
قوله :﴿أَقَرِيبٌ﴾، خبرٌ مقدمٌ، و ﴿مَّا تُوعَدُونَ﴾ مبتدأ مؤخر، ويجوز أن يكون «قَرِيبٌ » مبتدأ لاعتماده على الاستفهام و «مَا تُوعَدُون » فاعل به، أي : أقريب الذي توعدون، نحو «أقَائِمٌ أبواك »، و «مَا » يجوز أن تكون موصولة فالعائد محذوف، وأن تكون مصدرية فلا عائد، و «أمْ » الظاهر أنها متصلة.
وقال الزمخشريُّ :«فإن قلت : ما معنى قوله :﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربي أَمَداً﴾، والأمد يكون قريباً وبعيداً، ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً﴾[آل عمران: ٣٠]، قلت : كان النبي ﷺ يستقرب الموعد، فكأنه قال : ما أدري أهو حالٌّ متوقع في كُلِّ ساعة، أم مؤجل ضربت له غاية ؟ ».
وقرأ العامة : بإسكان الياء من «ربِّي ».
وقرأ الحرميان(١) وأبو عمرو : بالفتح.

فصل في تعلق الآية بما قبلها


قال مقاتل : لما سمعوا قوله تعالى :﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾. قال النضر بن الحارث : متى يكون هذا الذي توعدنا به ؟.
فقال الله تعالى :﴿قُلْ إِنْ أدري أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إلى آخره(٢)، والمعنى أنَّ وقوعه متيقن، وأما وقت وقوعه فغير معلوم.
وقوله تعالى :﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ ربي أَمَداً﴾، أي : غاية وبعداً، وهذا كقوله تعالى :﴿إِنْ أدري أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾.
فإن قيل : أليس «أنه - عليه الصلاة والسلام - قال :" بُعثْتُ أنَا والسَّاعَةُ كهَاتيْنِ " (٣)، فكان عالماً بقُربِ وقُوعِ القيامةِ، فكيف قال - هاهنا - : لا أردي أقريب أم بعيد ؟.
فالجواب(٤) : أن المراد بقرب وقوعه، هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى فهذا القدر من القرب معلوم، فأما معرفة القرب المرتب وعدم ذلك فغير معلوم.
١ ينظر: السبعة ٦٥٧، والحجة ٦/٣٣٤، وإعراب القراءات ٢/٤٠٣..
٢ ذكره الرازي في "تفسيره" (٣٠/١٤٨)..
٣ أخرجه البخاري (٨/٥٦٠) كتاب التفسير، باب: من سورة النازعات رقم (٤٩٣٦)، (٥٣٠١، ٦٥٠٣) ومسلم (٤/٢٦٨) كتاب الفتن، باب: قرب الساعة حديث (١٣٢/٢٩٥٠) من حديث جابر..
٤ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/١٤٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى