البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وأنه كان رجال﴾.
روى الجمهور أن الرجل كان إذا أراد المبيت أو الحلول في وادٍ نادى بأعلى صوته : يا عزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك، فيعتقد بذلك أن الجني الذي بالوادي يمنعه ويحميه.
فروي أن الجن كانت تقول عند ذلك : لا نملك لكم ولا لأنفسنا من الله شيئاً.
قال مقاتل : أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن، ثم بنو حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب.
والظاهر أن الضمير المرفوع في ﴿فزادوهم﴾ عائد على ﴿رجال من الإنس﴾، إذ هم المحدث عنهم، وهو قول مجاهد والنخعي وعبيد بن عمير.
﴿فزادوهم﴾ أي الإنس، ﴿رهقاً﴾ : أي جراءة وانتخاءً وطغياناً وغشيان المحارم وإعجاباً بحيث قالوا : سدنا الإنس والجن، وفسر قوم الرهق بالإثم.
وأنشد الطبري في ذلك بيت الأعشى :
لا شيء ينفعني من دون رؤيتهالا يشتفي وامق ما لم يصب رهقاً
قال معناه : ما لم يغش محرماً، والمعنى : زادت الإنس الجن مأثماً لأنهم عظموهم فزادوهم استحلالاً لمحارم الله تعالى.
وقال قتادة وأبو العالية والربيع وابن زيد :﴿فزادوهم﴾، أي الجن زادت الإنس مخافة يتخيلون لهم بمنتهى طاقتهم ويغوونهم لما رأوا من خفة أحلامهم، فازدروهم واحتقروهم.
وقال ابن جبير :﴿رهقاً﴾ : كفراً.
وقيل : لا يطلق لفظ الرجال على الجن، فالمعنى : وإنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر الجن برجال من الإنس، وكان الرجل يقول مثلاً : أعوذ بحذيفة بن اليمان من جن هذا الوادي، وهذا قول غريب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى