الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
اللمس : المس، فاستعير للطلب ؛ لأن الماس طالب متعرف قال :
مَسَسْنَا مِنَ الآبَاءِ شَيْئاً وَكُلُّنَاإلى نَسَبٍ في قَوْمِهِ غَيْرِ وَاضِعِ
يقال : لمسه والتمسه، وتلمسه «كطلبه وأطلبه وتطلبه » ونحوه : الجس. وقولهم ؛ جسوه بأعينهم وتجسسوه. والمعنى : طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها. والحرس : اسم مفرد في معنى الحرّاس، كالخدم في معنى الخدّام ؛ ولذلك وصف بشديد، ولو ذهب إلى معناه لقيل : شداداً ؛ ونحوه.
أَخْشَى رُجَيْلاً أَوْ رُكُيْباً غَادِيَا***
لأنّ الرجل والركب مفردان في معنى الرجال والركاب. والرصد : مثل الحرس : اسم جمع للراصد، على معنى : ذوى شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب، ويمنعونهم من الاستماع. ويجوز أن يكون صفة للشهاب. بمعنى الراصد أو كقوله :
. . . . . . وَمعى جِيَاعاً ***
يعني يجد شهاباً راصداً له ولأجله.
فإن قلت : كأن الرجم لم يكن في الجاهلية، وقد قال الله تعالى :﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين﴾ [الملك: ٥]، فذكر فائدتين في خلق الكواكب : التزيين، ورجم الشياطين ؟ قلت : قال بعضهم حدث بعد مبعث رسول الله ﷺ وهو إحدى آياته، والصحيح أنه كان قبل المبعث ؛ وقد جاء ذكره في شعر أهل الجاهلية. قال بشر بن أبي خازم :
وَالْعِيرُ يُرْهِقُهَا الْغُبَارُ وَجَحْشُهَايَنْقَضُّ خَلْفَهُمَا انْقِضَاضَ الْكَوْكَبِ
وقال أوس بن حجر :
وَانْقَضَّ كَالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهنَقْعٌ يَثُورُ تَخَالهُ طُنُبَا
وقال عوف بن الخرع :
يَرُدُّ عَلَيْنَا الْعِيرَ مِنْ دُونِ إلْفِهِأَوِ الثَّوْرَ كَالدُّرِّىِّ يَتْبَعُهُ الدَّمُ
ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بعث رسول الله ﷺ : كثر الرجم وزاد زيادة ظاهرة ؛ حتى تنبه لها الإنس والجن، ومنع الاستراق أصلاً. وعن معمر : قلت للزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية ؟ قال : نعم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى