البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
يقول الحق جلّ جلاله :﴿يُسَبِّحُ لله ما في السموات وما في الأرض﴾، وهذا التسبيح إمّا أن يكون : تسبيح خِلقة، يعني : أنك إذا نظرت إلى شيء دلتك خِلقتُه على وحدانيته تعالى، وتنزيهِه عما لا يليق به، وإمّا أن يكون تسبيح معرفة ؛ بأن يخلق في كل شيء ما يعرفه به تعالى وينزّهه، ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِحُ بحَمدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُون تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، أو : تسبيح ضرورة، بأن يُجري اللهُ التسبيحَ على كل جوهر، من غير معرفةٍ له بذلك. قاله النسفي.
﴿الملكِ القُدُّوسِ﴾ أي : المنزَّه عما لا يليق به من الكمالات. ولا يُقال : المنزّه عن النقائص ؛ إذ لا يصح اتصافه بها حتى تُنفى عنه، وربما يكون نقصاً في حقه، كما يُقال : الملِك ليس بجزار. ﴿العزيزِ الحكيمِ﴾، وقرئت هذه الصفات الأربع بالرفع على المدح.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : كل مَن لم يعرف الله معرفةَ العيان، فهو من الأميين، فكما مَنَّ الله تعالى على عباده ببعثه الرسول، بعد أن كانوا في ضلالٍ مبين، كذلك مَنَّ على أمته بعده، فبَعَثَ مشايخَ التربية يتلو عليهم آياته الدالة على شهوده وظهوره، ويزكيهم من الرذائل التي تحجبهم عن الله، ويُعلّمهم أسرارَ الكتاب، وأسرارَ الحكمة، وهي الشريعة، إذ لا يوقف على أسرارهما إلاّ بعد تطهير القلوب، وتزكية النفوس، وإن كانوا من قبل ملاقاة المشايخ لفي ضلال مبين، حائدين عن طريق الشهود، وبعث أيضاً في آخرين منهم من يُذكِّرهم ويُعرفهم بالله، وهكذا لا ينقطع الداعي إلى يوم القيامة، لكن لا يصل إليه إلاّ مَن أراد الله أن يوصله إليه، ولذلك قال :﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء...﴾ الآية.
﴿الملكِ القُدُّوسِ﴾ أي : المنزَّه عما لا يليق به من الكمالات. ولا يُقال : المنزّه عن النقائص ؛ إذ لا يصح اتصافه بها حتى تُنفى عنه، وربما يكون نقصاً في حقه، كما يُقال : الملِك ليس بجزار. ﴿العزيزِ الحكيمِ﴾، وقرئت هذه الصفات الأربع بالرفع على المدح.