مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
﴿بسم الله الرحمن الرحيم قل يا أيها الكافرون﴾
اعلم أن قوله تعالى :﴿قل﴾ فيه فوائد :( أحدها ) أنه عليه السلام كان مأمورا بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال :﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ ثم كان مأمورا بأن يدعو إلى الله بالوجه الأحسن :﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ ولما كان الأمر كذلك، ثم إنه خاطبهم بيا أيها الكافرون فكانوا يقولون : كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق فأجاب بأني مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي فكان المراد من قوله : قل تقرير هذا المعنى.
( وثانيها ) : أنه لما قيل له :﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ وهو كان يحب أقرباءه لقوله :﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر بالتصريح بتلك الخشونة والتغليظ فقيل له :﴿قل﴾.
( وثالثها ) أنه لما قيل له :﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ فأمر بتبليغ كل ما أنزل عليه فلما قال الله تعالى له :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ نقل هو عليه السلام هذا الكلام بجملته كأنه قال : إنه تعالى أمرني بتبليغ كل ما أنزل علي والذي أنزل علي هو مجموع قوله :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فأنا أيضا أبلغه إلى الخلق هكذا.
( ورابعها ) : أن الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع، وأنه هو الذي خلقهم ورزقهم، على ما قال تعالى :﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله﴾ والعبد يتحمل من مولاه مالا يتحمله من غيره، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء :﴿يا أيها الكافرون﴾ لجوزوا أن يكون هذا كلام محمد، فلعلهم ما كانوا يتحملونه منه وكانوا يؤذونه. أما لما سمعوا قوله :﴿قل﴾ علموا أنه ينقل هذا التغليظ عن خالق السموات والأرض، فكانوا يتحملونه ولا يعظم تأذيهم به.
( وخامسها ) أن قوله :﴿قل﴾ يوجب كونه رسولا من عند الله، فكلما قيل له :﴿قل﴾ كان ذلك كالمنشور الجديد في ثبوت رسالته، وذلك يقتضي المبالغة في تعظيم الرسول، فإن الملك إذا فوض مملكته إلى بعض عبيده، فإذا كان يكتب له كل شهر وسنة منشورا جديدا دل ذلك على غاية اعتنائه بشأنه، وأنه على عزم أن يزيده كل يوم تعظيما وتشريفا.
( وسادسها ) : أن الكفار لما قالوا : نعبد إلهك سنة، وتبعد آلتنا سنة، فكأنه عليه السلام قال : استأمرت إلهي فيه. فقال :﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( وسابعها ) : الكفار قالوا فيه السوء، فهو تعالى زجرهم عن ذلك، وأجابهم وقال :﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ وكأنه تعالى قال : حين ذكروك بسوء، فأنا كنت المجيب بنفسي، فحين ذكروني بالسوء وأثبتوا لي الشركاء، فكن أنت المجيب :﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( وثامنها ) : أنهم سموك أبتر، فإن شئت أن تستوفي منهم القصاص، فاذكرهم بوصف ذم بحيث تكون صادقا فيه :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك وأنت تعيبهم بما هو فعلهم.
( وتاسعها ) : أن بتقدير أن تقول : يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدونه، والكفار يقولون : هذا كلام ربك أم كلامك، فإن كان كلام ربك فربك يقول : أنا لا أعبد هذه الأصنام، ونحن لا نطلب هذه العبادة من ربك إنما نطلبها منك، وإن كان هذا كلامك فأنت قلت من عند نفسك إني لا أعبد هذه الأصنام، فلم قلت : إن ربك هو الذي أمرك بذلك، أما لما قال : قل، سقط هذا الاعتراض لأن قوله :﴿قل﴾ يدل على أنه مأمور من عند الله تعالى بأن لا يعبدها ويتبرأ منها.
( وعاشرها ) : أنه لو أنزل قوله :﴿يا أيها الكافرون﴾ لكان يقرؤها عليهم لا محالة، لأنه لا يجوز أن يخون في الوحي إلا أنه لما قال :﴿قل﴾ كان ذلك كالتأكيد في إيجاب تبليغ هذا الوحي إليهم، والتأكيد يدل على أن ذلك الأمر أمر عظيم.
فبهذا الطريق تدل هذه الكلمة على أن الذي قالوه وطلبوه من الرسول أمر منكر في غاية القبح ونهاية الفحش.
( الحادي عشر ) : كأنه تعالى يقول كانت التقية جائزة عند الخوف، أما الآن لما قوينا قلبك بقولنا :﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ وبقولنا :﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم و﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الثاني عشر ) : أن خطاب الله تعالى مع العبد من غير واسطة يوجب التعظيم ألا ترى أنه تعالى ذكر من أقسام إهانة الكفار، أنه تعالى لا يكلمهم، فلو قال :﴿يا أيها الكافرون﴾ لكان ذلك من حيث إنه خطاب مشافهة يوجب التعظيم، ومن حيث إنه وصف لهم بالكفر يوجب الإيذاء فينجبر الإيذاء بالإكرام، أما لما قال :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فحينئذ يرجع تشريف المخاطبة إلى محمد ﷺ، وترجع الإهانة الحاصلة لهم بسبب وصفهم بالكفر إلى الكفار، فيحصل فيه تعظيم الأولياء، وإهانة الأعداء، وذلك هو النهاية في الحسن.
( الثالث عشر ) : أن محمدا عليه السلام كان منهم، وكان في غاية الشفقة عليهم والرأفة بهم، وكانوا يعلمون منه أنه شديد الاحتراز عن الكذب، والأب الذي يكون في غاية الشفقة بولده، ويكون في نهاية الصدق والبعد عن الكذب ثم إنه يصف ولده بعيب عظيم فالولد إن كان عاقلا يعلم أنه ما وصفه بذلك مع غاية شفقته عليه إلا لصدقه في ذلك ولأنه بلغ مبلغا لا يقدر على إخفائه، فقال تعالى :﴿قل﴾ يا محمد لهم :﴿أيها الكافرون﴾ ليعلموا أنك لما وصفتهم بذلك مع غاية شفقتك عليهم وغاية احترازك عن الكذب فهم موصوفون بهذه الصفة القبيحة، فربما يصير ذلك داعيا لهم إلى البراءة من هذه الصفة والاحتراز عنها.
( الرابع عشر ) : أن الإيذاء والإيحاش من ذوي القربى أشد وأصعب من الغير فأنت من قبيلتهم، ونشأت فيما بين أظهرهم فقل لهم :﴿يا أيها الكافرون﴾ فلعله يصعب ذلك الكلام عليهم، فيصير ذلك داعيا لهم إلى البحث والنظر والبراءة عن الكفر.
( الخامس عشر ) : كأنه تعالى يقول : ألسنا بينا في سورة :﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ وفي سورة الكوثر :﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ وأتيت بالإيمان والأعمال الصالحات، بمقتضى قولنا :﴿فصل لربك وانحر﴾ بقي عليك التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وذلك هو أن تمنعهم بلسانك وبرهانك عن عبادة غير الله، فقل : فقل ﴿يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( السادس عشر ) : كأنه تعالى يقول : يا محمد أنسيت أنني لما أخرت الوحي عليك مدة قليلة، قال الكافرون : إنه ودعه ربه وقلاه، فشق عليك ذلك غاية المشقة، حتى أنزلت عليك السورة، وأقسمت بالضحى :﴿والليل إذا سجى﴾ أنه ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ فلما لم تستجز أن أتركك شهرا ولم يطب قلبك حتى ناديت في العالم بأنه :﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ أفتستجيز أن تتركني شهرا وتشتغل بعبادة آلهتهم فلما ناديت بنفي تلك التهمة، فناد أنت أيضا في العالم بنفي هذه التهمة و﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( السابع عشر ) : لما سألوا منه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، فهو عليه السلام سكت ولم يقل شيئا، لا لأنه جوز في قلبه أن يكون الذي قالوه حقا، فإنه كان قاطعا بفساد ما قالوه لكنه عليه السلام، توقف في أنه بماذا يجيبهم ؟ أبأن يقيم الدلائل العقلية على امتناع ذلك أو بأن يزجرهم بالسيف أو بأن ينزل الله عليهم عذابا، فاغتنم الكفار ذلك السكوت وقالوا : إن محمدا مال إلى ديننا، فكأنه تعالى قال : يا محمد إن توقفك عن الجواب في نفس الأمر حق ولكنه أوهم باطلا، فتدارك إزالة ذلك الباطل، وصرح بما هو الحق و :﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الثامن عشر ) : أنه عليه السلام لما قال له ربه ليلة المعراج : أثن علي استولى عليه هيبة الحضرة الإلهية فقال : لا أحصي ثناء عليك، فوقع ذلك السكوت منه في غاية الحسن فكأنه قيل له : إن سكت عن الثناء رعاية لهيبة الحضرة فأطلق لسانك في مذمة الأعداء و :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ حتى يكون سكوتك الله وكلامك الله، وفيه تقرير آخر وهو أن هيبة الحضرة سلبت عنك قدرة القول فقل : ههنا حتى إن هيبة قولك تسلب قدرة القول عن هؤلاء الكفار.
( التاسع عشر ) لو قال له : لا تعبد ما يعبدون لم يلزم منه أن يقول بلسانه :﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ أما لما أمره بأن يقول بلسانه :﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ يلزمه أن لا يعبد ما يعبدون إذ لو فعل ذلك لصار كلامه كذبا، فثبت أنه لما قال له قل :﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ فلزمه أن يكون منكرا لذلك بقلبه ولسانه وجوارحه.
ولو قال له : لا تعبد ما يعبدون لزمه تركه، أما لا يلزمه إظهار إنكاره باللسان، ومن المعلوم أن غاية الإنكار إنما تحصل إذا تركه في نفسه وأنكره بلسانه فقوله له :﴿قل﴾ يقتضي المبالغة في الإنكار، فلهذا قال :﴿قل. . . لا أعبد ما تعبدون﴾.
( العشرون ) : ذكر التوحيد ونفي الأنداد جنة للعارفين ونار للمشركين فاجعل لفظك جنة للموحدين ونارا للمشركين و :﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الحادي والعشرون ) : أن الكفار لما قالوا نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة سكت محمد فقال : إن شافهتهم بالرد تأذوا، وحصلت النفرة عن الإسلام في قلوبهم، فكأنه تعالى قال له : يا محمد لم سكت عن الرد، أما الطمع فيما يعدونك من قبول دينك، فلا حاجة بك في هذا المعنى إليهم :﴿فإنا أعطيناك الكوثر﴾ وأما الخوف منهم فقد أزلنا عنك الخوف بقولنا :﴿إنا شانئك هو الأبتر﴾ فلا تلتفت إليهم، ولا تبال بكلامهم، و﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الثاني والعشرون ) : أنسيت يا محمد أني قدمت حقك على حق نفسي، فقلت :﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ فقدمت أهل الكتاب في الكفر على المشركين لأن طعن أهل الكتاب فيك وطعن المشركين في، فقدمت حقك على حق نفسي وقدمت أهل الكتاب في الذم على المشركين، وأنت أيضا هكذا كنت تفعل فإنهم لما كسروا سنك قلت :«اللهم اهد قومي » ولما شغلوك يوم الخندق عن الصلاة قلت :«اللهم املأ بطونهم نارا » فههنا أيضا قدم حقي على حق نفسك وسواء كنت خائفا منهم، أو لست خائفا منهم فأظهر إنكار قولهم :﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الثالث والعشرون ) كأنه تعالى يقول : قصة امرأة زيد واقعة حقيرة بالنسبة إلى هذه الواقعة، ثم إنني هناك ما رضيت منك أن تضمر في قلبك شيئا ولا تظهره بلسانك، بل قلت لك على سبيل العتاب :﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ فإذا كنت لم أرض منك في تلك الواقعة الحقيرة إلا بالإظهار، وترك المبالاة بأقوال الناس فكيف أرضى منك في هذه المسألة، وهي أعظم المسائل خطرا بالسكوت، قل بصريح لسانك :﴿يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الرابع والعشرون ) : يا محمد ألست قلت لك :﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا﴾ ثم إني مع هذه القدرة راعيت جانبك وطيبت قلبك وناديت في العالمين بأني لا أجعل الرسالة مشتركة بينه وبين غيره، بل الرسالة له لا لغيره حيث قلت :﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ فأنت مع علمك بأنه يستحيل عقلا أن يشاركني غيري في المعبودية أولى أن تنادي في العالمين بنفي هذه الشركة. فقل : وقل { يا أيها الكافرون لا أعبد ما تع
اعلم أن قوله تعالى :﴿قل﴾ فيه فوائد :( أحدها ) أنه عليه السلام كان مأمورا بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال :﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ ثم كان مأمورا بأن يدعو إلى الله بالوجه الأحسن :﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ ولما كان الأمر كذلك، ثم إنه خاطبهم بيا أيها الكافرون فكانوا يقولون : كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق فأجاب بأني مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي فكان المراد من قوله : قل تقرير هذا المعنى.
( وثانيها ) : أنه لما قيل له :﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ وهو كان يحب أقرباءه لقوله :﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر بالتصريح بتلك الخشونة والتغليظ فقيل له :﴿قل﴾.
( وثالثها ) أنه لما قيل له :﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ فأمر بتبليغ كل ما أنزل عليه فلما قال الله تعالى له :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ نقل هو عليه السلام هذا الكلام بجملته كأنه قال : إنه تعالى أمرني بتبليغ كل ما أنزل علي والذي أنزل علي هو مجموع قوله :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فأنا أيضا أبلغه إلى الخلق هكذا.
( ورابعها ) : أن الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع، وأنه هو الذي خلقهم ورزقهم، على ما قال تعالى :﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله﴾ والعبد يتحمل من مولاه مالا يتحمله من غيره، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء :﴿يا أيها الكافرون﴾ لجوزوا أن يكون هذا كلام محمد، فلعلهم ما كانوا يتحملونه منه وكانوا يؤذونه. أما لما سمعوا قوله :﴿قل﴾ علموا أنه ينقل هذا التغليظ عن خالق السموات والأرض، فكانوا يتحملونه ولا يعظم تأذيهم به.
( وخامسها ) أن قوله :﴿قل﴾ يوجب كونه رسولا من عند الله، فكلما قيل له :﴿قل﴾ كان ذلك كالمنشور الجديد في ثبوت رسالته، وذلك يقتضي المبالغة في تعظيم الرسول، فإن الملك إذا فوض مملكته إلى بعض عبيده، فإذا كان يكتب له كل شهر وسنة منشورا جديدا دل ذلك على غاية اعتنائه بشأنه، وأنه على عزم أن يزيده كل يوم تعظيما وتشريفا.
( وسادسها ) : أن الكفار لما قالوا : نعبد إلهك سنة، وتبعد آلتنا سنة، فكأنه عليه السلام قال : استأمرت إلهي فيه. فقال :﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( وسابعها ) : الكفار قالوا فيه السوء، فهو تعالى زجرهم عن ذلك، وأجابهم وقال :﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ وكأنه تعالى قال : حين ذكروك بسوء، فأنا كنت المجيب بنفسي، فحين ذكروني بالسوء وأثبتوا لي الشركاء، فكن أنت المجيب :﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( وثامنها ) : أنهم سموك أبتر، فإن شئت أن تستوفي منهم القصاص، فاذكرهم بوصف ذم بحيث تكون صادقا فيه :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك وأنت تعيبهم بما هو فعلهم.
( وتاسعها ) : أن بتقدير أن تقول : يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدونه، والكفار يقولون : هذا كلام ربك أم كلامك، فإن كان كلام ربك فربك يقول : أنا لا أعبد هذه الأصنام، ونحن لا نطلب هذه العبادة من ربك إنما نطلبها منك، وإن كان هذا كلامك فأنت قلت من عند نفسك إني لا أعبد هذه الأصنام، فلم قلت : إن ربك هو الذي أمرك بذلك، أما لما قال : قل، سقط هذا الاعتراض لأن قوله :﴿قل﴾ يدل على أنه مأمور من عند الله تعالى بأن لا يعبدها ويتبرأ منها.
( وعاشرها ) : أنه لو أنزل قوله :﴿يا أيها الكافرون﴾ لكان يقرؤها عليهم لا محالة، لأنه لا يجوز أن يخون في الوحي إلا أنه لما قال :﴿قل﴾ كان ذلك كالتأكيد في إيجاب تبليغ هذا الوحي إليهم، والتأكيد يدل على أن ذلك الأمر أمر عظيم.
فبهذا الطريق تدل هذه الكلمة على أن الذي قالوه وطلبوه من الرسول أمر منكر في غاية القبح ونهاية الفحش.
( الحادي عشر ) : كأنه تعالى يقول كانت التقية جائزة عند الخوف، أما الآن لما قوينا قلبك بقولنا :﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ وبقولنا :﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم و﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الثاني عشر ) : أن خطاب الله تعالى مع العبد من غير واسطة يوجب التعظيم ألا ترى أنه تعالى ذكر من أقسام إهانة الكفار، أنه تعالى لا يكلمهم، فلو قال :﴿يا أيها الكافرون﴾ لكان ذلك من حيث إنه خطاب مشافهة يوجب التعظيم، ومن حيث إنه وصف لهم بالكفر يوجب الإيذاء فينجبر الإيذاء بالإكرام، أما لما قال :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ فحينئذ يرجع تشريف المخاطبة إلى محمد ﷺ، وترجع الإهانة الحاصلة لهم بسبب وصفهم بالكفر إلى الكفار، فيحصل فيه تعظيم الأولياء، وإهانة الأعداء، وذلك هو النهاية في الحسن.
( الثالث عشر ) : أن محمدا عليه السلام كان منهم، وكان في غاية الشفقة عليهم والرأفة بهم، وكانوا يعلمون منه أنه شديد الاحتراز عن الكذب، والأب الذي يكون في غاية الشفقة بولده، ويكون في نهاية الصدق والبعد عن الكذب ثم إنه يصف ولده بعيب عظيم فالولد إن كان عاقلا يعلم أنه ما وصفه بذلك مع غاية شفقته عليه إلا لصدقه في ذلك ولأنه بلغ مبلغا لا يقدر على إخفائه، فقال تعالى :﴿قل﴾ يا محمد لهم :﴿أيها الكافرون﴾ ليعلموا أنك لما وصفتهم بذلك مع غاية شفقتك عليهم وغاية احترازك عن الكذب فهم موصوفون بهذه الصفة القبيحة، فربما يصير ذلك داعيا لهم إلى البراءة من هذه الصفة والاحتراز عنها.
( الرابع عشر ) : أن الإيذاء والإيحاش من ذوي القربى أشد وأصعب من الغير فأنت من قبيلتهم، ونشأت فيما بين أظهرهم فقل لهم :﴿يا أيها الكافرون﴾ فلعله يصعب ذلك الكلام عليهم، فيصير ذلك داعيا لهم إلى البحث والنظر والبراءة عن الكفر.
( الخامس عشر ) : كأنه تعالى يقول : ألسنا بينا في سورة :﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ وفي سورة الكوثر :﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ وأتيت بالإيمان والأعمال الصالحات، بمقتضى قولنا :﴿فصل لربك وانحر﴾ بقي عليك التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وذلك هو أن تمنعهم بلسانك وبرهانك عن عبادة غير الله، فقل : فقل ﴿يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( السادس عشر ) : كأنه تعالى يقول : يا محمد أنسيت أنني لما أخرت الوحي عليك مدة قليلة، قال الكافرون : إنه ودعه ربه وقلاه، فشق عليك ذلك غاية المشقة، حتى أنزلت عليك السورة، وأقسمت بالضحى :﴿والليل إذا سجى﴾ أنه ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ فلما لم تستجز أن أتركك شهرا ولم يطب قلبك حتى ناديت في العالم بأنه :﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ أفتستجيز أن تتركني شهرا وتشتغل بعبادة آلهتهم فلما ناديت بنفي تلك التهمة، فناد أنت أيضا في العالم بنفي هذه التهمة و﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( السابع عشر ) : لما سألوا منه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، فهو عليه السلام سكت ولم يقل شيئا، لا لأنه جوز في قلبه أن يكون الذي قالوه حقا، فإنه كان قاطعا بفساد ما قالوه لكنه عليه السلام، توقف في أنه بماذا يجيبهم ؟ أبأن يقيم الدلائل العقلية على امتناع ذلك أو بأن يزجرهم بالسيف أو بأن ينزل الله عليهم عذابا، فاغتنم الكفار ذلك السكوت وقالوا : إن محمدا مال إلى ديننا، فكأنه تعالى قال : يا محمد إن توقفك عن الجواب في نفس الأمر حق ولكنه أوهم باطلا، فتدارك إزالة ذلك الباطل، وصرح بما هو الحق و :﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الثامن عشر ) : أنه عليه السلام لما قال له ربه ليلة المعراج : أثن علي استولى عليه هيبة الحضرة الإلهية فقال : لا أحصي ثناء عليك، فوقع ذلك السكوت منه في غاية الحسن فكأنه قيل له : إن سكت عن الثناء رعاية لهيبة الحضرة فأطلق لسانك في مذمة الأعداء و :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ حتى يكون سكوتك الله وكلامك الله، وفيه تقرير آخر وهو أن هيبة الحضرة سلبت عنك قدرة القول فقل : ههنا حتى إن هيبة قولك تسلب قدرة القول عن هؤلاء الكفار.
( التاسع عشر ) لو قال له : لا تعبد ما يعبدون لم يلزم منه أن يقول بلسانه :﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ أما لما أمره بأن يقول بلسانه :﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ يلزمه أن لا يعبد ما يعبدون إذ لو فعل ذلك لصار كلامه كذبا، فثبت أنه لما قال له قل :﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ فلزمه أن يكون منكرا لذلك بقلبه ولسانه وجوارحه.
ولو قال له : لا تعبد ما يعبدون لزمه تركه، أما لا يلزمه إظهار إنكاره باللسان، ومن المعلوم أن غاية الإنكار إنما تحصل إذا تركه في نفسه وأنكره بلسانه فقوله له :﴿قل﴾ يقتضي المبالغة في الإنكار، فلهذا قال :﴿قل. . . لا أعبد ما تعبدون﴾.
( العشرون ) : ذكر التوحيد ونفي الأنداد جنة للعارفين ونار للمشركين فاجعل لفظك جنة للموحدين ونارا للمشركين و :﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الحادي والعشرون ) : أن الكفار لما قالوا نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة سكت محمد فقال : إن شافهتهم بالرد تأذوا، وحصلت النفرة عن الإسلام في قلوبهم، فكأنه تعالى قال له : يا محمد لم سكت عن الرد، أما الطمع فيما يعدونك من قبول دينك، فلا حاجة بك في هذا المعنى إليهم :﴿فإنا أعطيناك الكوثر﴾ وأما الخوف منهم فقد أزلنا عنك الخوف بقولنا :﴿إنا شانئك هو الأبتر﴾ فلا تلتفت إليهم، ولا تبال بكلامهم، و﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الثاني والعشرون ) : أنسيت يا محمد أني قدمت حقك على حق نفسي، فقلت :﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ فقدمت أهل الكتاب في الكفر على المشركين لأن طعن أهل الكتاب فيك وطعن المشركين في، فقدمت حقك على حق نفسي وقدمت أهل الكتاب في الذم على المشركين، وأنت أيضا هكذا كنت تفعل فإنهم لما كسروا سنك قلت :«اللهم اهد قومي » ولما شغلوك يوم الخندق عن الصلاة قلت :«اللهم املأ بطونهم نارا » فههنا أيضا قدم حقي على حق نفسك وسواء كنت خائفا منهم، أو لست خائفا منهم فأظهر إنكار قولهم :﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الثالث والعشرون ) كأنه تعالى يقول : قصة امرأة زيد واقعة حقيرة بالنسبة إلى هذه الواقعة، ثم إنني هناك ما رضيت منك أن تضمر في قلبك شيئا ولا تظهره بلسانك، بل قلت لك على سبيل العتاب :﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ فإذا كنت لم أرض منك في تلك الواقعة الحقيرة إلا بالإظهار، وترك المبالاة بأقوال الناس فكيف أرضى منك في هذه المسألة، وهي أعظم المسائل خطرا بالسكوت، قل بصريح لسانك :﴿يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون﴾.
( الرابع والعشرون ) : يا محمد ألست قلت لك :﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا﴾ ثم إني مع هذه القدرة راعيت جانبك وطيبت قلبك وناديت في العالمين بأني لا أجعل الرسالة مشتركة بينه وبين غيره، بل الرسالة له لا لغيره حيث قلت :﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ فأنت مع علمك بأنه يستحيل عقلا أن يشاركني غيري في المعبودية أولى أن تنادي في العالمين بنفي هذه الشركة. فقل : وقل { يا أيها الكافرون لا أعبد ما تع