السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني
عن الكتاب
ثم بيّن تعالى السبب في بطلان سعيهم بقوله تعالى :﴿أولئك﴾ أي : البعداء البغضاء ﴿الذين كفروا بآيات ربهم﴾ أي : بدلائل توحيده من القرآن وغيره ﴿ولقائه﴾ أي : رؤيته لأنه يقال : لقيت فلاناً أي : رأيته فإن قيل : اللقاء عبارة عن الوصول قال تعالى :﴿فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾ [ القمر، ١٢ ] وذلك في حق اللّه تعالى محال فوجب حملة على لقاء ثواب اللّه تعالى كما قال بعض المفسرين أجيب : بأنّ لفظ اللقاء، وإن كان عبارة عن الوصول إلا أن استعماله في الرؤية مجاز ظاهر مشهور والذي يقول : إن المراد لقاء ثواب اللّه قال : لا يتم إلا بالإضمار وحمل اللفظ على المجاز المتعارف المشهور أولى من حمله على ما يحتاج إلى الإضمار، ثم قال تعالى :﴿فحبطت﴾ أي : فبسبب جحدهم الدلائل بطلت ﴿أعمالهم﴾ فصارت هباءً منثوراً فلا يثابون عليها، وفي قوله تعالى :﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ قولان ؛ أحدهما : أنا نزدري بهم وليس لهم عندنا وزن ومقدار، تقول العرب : ما لفلان عندي وزن أي : قدر لخسته، وروى أبو هريرة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه قال :«ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند اللّه جناح بعوضة »، وقال : اقرؤوا إن شئتم ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ »، الثاني : لا نقيم لهم ميزاناً لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ليتميز مقدار الطاعات ومقدار السيئات، وقال أبو سعيد الخدري : تأتي ناس بأعمالهم يوم القيامة عندهم في التعظيم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئاً فذلك قوله تعالى :﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾.