إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿قُلْ﴾ لهم بعد ما بينْتَ لهم شأن كلماتِه تعالى :﴿إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ﴾ لا أدّعي الإحاطةَ بكلماته التامة ﴿يوحى إِلَيَّ﴾ من تلك الكلماتِ ﴿أَنَّمَا إلهكم إله واحد﴾ لا شريكَ له في الخلق ولا في سائر أحكامِ الألوهيةِ، وإنما تميزْتُ عنكم بذلك ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ﴾ الرجاءُ توقعُ وصولِ الخير في المستقبل، والمرادُ بلقائه تعالى كرامتُه، وإدخالُ الماضي على المستقبل للدِلالة على أن اللائقَ بحال المؤمن الاستمرارُ والاستدامةُ على رجاء اللقاءِ، أي فمن استمر على رجاء كرامتِه تعالى ﴿فَلْيَعْمَلِ﴾ لتحصيل تلك الطِّلْبةِ العزيزة ﴿عَمَلاً صالحا﴾ في نفسه لائقاً بذلك المرجوِّ كما فعله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا﴾ إشراكاً جلياً كما فعله الذين كفروا بآيات ربِّهم ولقائه، ولا إشراكاً كما يفعله أهلُ الرياء ومَنْ يطلبُ به أجراً، وإيثارُ وضعِ المُظهَرِ موضعَ المُضمر في الموضعين مع التعرض لعنوان الربوبيةِ لزيادة التقريرِ، وللإشعار بعلية العنوانِ للأمر والنهي ووجوبِ الامتثالِ فعلاً وتركاً. روي أن جُندُبَ بنَ زهير رضي الله عنه قال لرسول الله ﷺ : إني لأعمل العملَ لله تعالى فإذا اطّلع عليه سرّني، فقال عليه الصلاة والسلام :« إن الله لا يقبل ما شوُرك فيه » فنزلت تصديقاً له. وروي أنه ﷺ قال له :« لك أجران أجرُ السرِّ وأجرُ العلانية » وذلك إذا قصد أن يُقتدى به. وعنه عليه السلام :« اتقوا الشركَ الأصغرَ » قيل : وما الشركُ الأصغرُ ؟ قال :« الرياء ».