مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم قال تعالى في صفاتهم :﴿وربطنا على قلوبهم﴾ أي ألهمناها الصبر وثبتناها :﴿إذ قاموا﴾ وفي هذا القيام أقوال : الأول : قال مجاهد كانوا عظماء مدينتهم فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أن أحدا يجده، قالوا ما تجد ؟ قال أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض. القول الثاني : أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار، وقالوا : ربنا رب السماوات والأرض، وذلك لأنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية، وعصمهم حتى عصوا ذلك الجبار، وأقروا بربوبية الله، وصرحوا بالبراءة عن الشركاء والأنداد. والقول الثالث : وهو قول عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم وهذا بعيد لأن الله استأنف قصتهم بقوله :﴿نحن نقص عليك﴾ وقوله :﴿لقد قلنا إذا شططا﴾ معنى الشطط في اللغة مجاوزة الحد، قال الفراء يقال قد أشط في السوم إذا جاوز الحد ولم يسمع إلا أشط يشط أشطاطا وشططا، وحكى الزجاج وغيره شط الرجل وأشط إذا جاوز الحد، ومنه قوله :﴿ولا تشطط﴾ وأصل هذا من قولهم شطت الدار إذا بعدت، فالشطط البعد عن الحق، وهو ههنا منصوب على المصدر، والمعنى لقد قلنا إذا قولا شططا،