روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿سَيَقُولُونَ﴾ الضمير فيه وفي الفعلين بعد كما اختاره ابن عطية وبعض المحققين لليهود المعاصرين له ﷺ الخائضين في قصة أصحاب الكهف، وأيد بذلك قول الحسن. وغيره : إنهم كانوا قبل بعث موسى عليه السلام لدلالته ان لهم علماً في الجملة بأحوالهم وهو يستلزم أن يكون لهم ذكر في التوراة وفيه ما فيه.
والظاهر أن هذا إخبار بما لم يكن واقعاً بعد كأنه قيل سيقولون إذا قصصت قصة أصحاب الكف أو إذا سئلوا عن عدتهم هم ﴿ثلاثة﴾ أي ثلاثة أشخاص ﴿رَّابِعُهُمْ﴾ أي جاعلهم أربعة بانضمامه إليهم ﴿كَلْبُهُمْ﴾ فثلاثة خبر مبتدأ محذوف و ﴿رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر ولا عمل لاسم الفاعل لأنه ماض والجملة في موضع النعت لثلاثة والضمير أن لها لا للمبتدأ ومن ثم استغنى عنه بالحذف وإلا كان الظاهر أن يقال : هم ثلاثة وكلب لكن بما أريد اختصاصها بحكم بديع الشأن عدل إلى ما ذكر لينبه بالنعت الدال على التفضلة والتمييز على أن أولئك الفتية ليسوا مثل كل ثلاثة أصطحبوا، ومن ثم قرن الله تعالى في كتابه العزيز أخس الحيوانات ببركة صحبتهم مع زمرة المتبتلين إليه المعتكفين في جواره سبحانه وكذا يقال فيما بعد، وإلى هذا الاعراب ذهب أبو البقاء واختاره العلامة الطيبي وهو الذي أشار إلى ما أشير إليه من النكتة ونظم في سلكها مع الآية حديث «ما ظنك باثنين الله تعالى ثالثهما » فأوجب ذلك أن شنع بعض أجلة الأفاضل عليه حتى أوصله إلى الكفر ونسبه إليه، ولعمري لقد ظلمه وخفي عليه مراده فلم يفهمه، ولم يجوز ابن الحاجب كون الجملة في موضع النعت كما لم يجوز هو ولا غيره كأبي البقاء جعلها حالاً وجعلها خبراً بعد خبر للمبتدأ المحذوف، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك.
وتقدير تمييز العدد أشخاص أولى من تقديره رجال لأنه لا تصير الثلاثة الرجال أربعة بكلبهم لاختلاف الجنسين، وعدم اشتراط اتحاد الجنس في مثل ذلك يأباه الاستعمال الشائع مع كونه خلاف ما ذكره النحاة.
والقول بأن الكلب بشرف صحبتهم ألحق بالعقلاء تخيل شعري. وقرأ ابن محيصن ﴿ثلاثة﴾ بإدغام الثاء في التاء تقول أبعث تلك وحسن ذلك لقرب مخرجهما وكونهما مهموسين ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ عطف على ﴿سَيَقُولُونَ﴾ والمضارع وإن كان مشتركاً بين الحال والاستقبال إلا أن المراد منه هنا الثاني بقرينة ما قبله فلذا اكتفي عن السين فيه وإذا عطفته على مدخول السين دخل معه في حكمها واختص بالاستقبال بواسطتها لكن قيل إن العطف على ذلك تكلف. وقرأ شبل بن عباد عن ابن كثير ﴿خَمْسَةٍ﴾ بفتح الميم وهو كالسكون لغة فيها نظير الفتح والسكون في العشرة.
وقرأ ابن محيصن بكسر الخاء والميم وبإدغام التاء في السين ؛ وعنه أيضاً إدغام التنوين في السين بغير غنة ﴿رَجْماً بالغيب﴾ أي رمياً بالخبر الغائب الخفي عنهم الذي لا مطلع لهم عليه وإتياناً به أو ظناً بذلك، وعلى الأول : استعير الرجم وهو الرمي بالحجارة التي لا تيب غرضاً ومرمى للمتكلم من غير علم وملاحظة بعد تشبيهه به. وفي «الكشف » أنه جعل الكلام الغائب عنهم علمه بمنزلة الرجام المرمي به لا يقصد به مخاطب معين ولو قصد لأخطأ لعدم بنائه على اليقين كما أن الرجام قلما يصيب المرجوم على السداد بخلاف السهم ونحوه ولهذا قالوا : قذفاً بالغيب ورجماً به ولم يقولوا رمياً به، وأما الرمي في السب ونحوه فالنظر إلى تأثيره في عرض المرمى تأثير السهم في الرمية انتهى.
وعلى الثاني : شبه ذكر أمر من غير علم يقيني واطمئنان قلب بقذف الحجر الذي لا فائدة في قذفه ولا يصيب مرماه ثم استعير له ووضع الرجم موضع الظن حتى صار حقيقة عرفية فيه. وفي «الكشف » أيضاً أنه لما كثر استعمال قولهم : رجماً بالظن فهموا من المصدر معناه دون النظر إلى المتعلق فقالوا رجماً بالغيب أي ظناً به وعلى ذلك جاء قول زهير :
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمواوما هو عنها بالحديث المرجم
حيث أراد المظنون، وانتصاب ﴿رَجْماً﴾ هنا على الوجهين إما على الحالية من الضمير في الفعلين أي راجمين أو على المصدرية منهما فإن الرجم والقول واحد.
وفي «البحر » أنه ضمن القول معنى الرجم أو من محذوف مستأنف أو واقع موقع الحال من ضمير الفعلين معاً أي يرجمون رجماً، وجوز أبو حيان كونه منصوباً على أنه مفعول من أجله أي يقولون ذلك لرميهم بالغيب أو لظنهم بذلك أي الحال لهم على القول هو الرجم بالغيب وهو كما ترى.
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ المراد الاستقبال أيضاً، والكلام في عطفه كالكلام في عطف سابقه، والجملة الواقعة بعد العدد في موضع الصفة له كالجملتين السابقتين على ما نص عليه الزمخشري، ولم يجعل الواو مانعة عن ذلك بل ذكر أنها الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في قولك : جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد وفي يده سيف ومنه قوله عز وجل :﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر وهي التي أذنت هنا بأن قائلي ما ذكر قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم فهو الحق دون القولين الأولين، والدليل على ذلك أنه سبحانه وتعالى أتبعهما قوله تبارك اسمه ﴿رَجْماً بالغيب﴾ وابتع هذا قوله عز وجل ﴿قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾ وعلى إذان الواو بما ذكر يدل كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد روى أنه قال : حين وقعت الواو انقطعت العدة أي لم يبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها، وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والبتات.
وقد نص عطاء على أن هذا القليل من أهل الكتاب، وقيل من البشر مطلقاً وهو الذي يقتضيه ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال : أنا من أولئك القليل، وأخرجه عنه غير واحد من طرق شتى، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود.
وزعم بعضهم أن المراد إلا قليل من الملائكة عليهم السلام لا يرتضيه أحد من البشر، والمثبت في هذا الاستثناء هو العالمية وذلك لا يضر في كون الأعلمية له عز وجل، هذا وإلى كون الواو كما ذكر الزمخشري ذهب ابن المنير وقال بعد نقله : وهو الصواب لا كالقول بأنها واو الثمانية فإن ذلك أمر لا يستقر لمثبته قدم ورد ما ذكروه من ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه التنبيه عليه.
وقال أبو البقاء : الجملة إذا وقعت صفة للنكرة جاز أن يدخلها الواو وهذا هو الصحيح في إدخال الواو في ثامنهم. واعترض على ذلك غير واحد فقال أبو حيان : كون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون بل قرروا أنه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالاً على المغايرة، وأما إذا لم تختلف فلا يجوز العطف، هذا في الأسماء المفردة، وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن جوز ذلك فيها.
وقد ردوا على من ذهب إلى أن قول سيبويه : وأما ما جاء بالمعنى وليس باسم ولا فعل إلى أن وليس باسم الخ صفة لمعنى وأن الواو دخلت في الجملة بأن ذلك ليس من كلام العرب وليس من كلامهم مررت برجل ويأكل على تقدير الصفة، وأما قوله تعالى :﴿إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] فالجملة فيه حالة ويكفي رداً لقول الزمخشري أنا لا نعلم أحداً من علماء النحو ذهب إليه اه.
وقال «صاحب الفرائد » : دخول الواو بين الصفة والموصوف غير مستقين لاتحاد الصفة والموصوف ذاتاً وحكماً وتأكيد اللصوق يقتضي الإثنينية مع أنا نقول ؛ لا نسلم أن الواو تفيد التأكيد وشدة اللصوق غاية ما في الباب أنها تفيد الجمع والجمع ينبئ عن الإثنينية واجتماع الصفة والموصوف ينبئ عن الاتحاد بالنظر إلى الذات. وقد ذكر صاحب المفتاح أن قول من قال : إن الواو في قوله تعالى :
﴿وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] داخلة بين الصفة والموصوف سهو منه(١) وإنما هي واو الحال وذو الحال ﴿قَرْيَةٌ﴾ [الحجر: ٤] وهي موصوفة أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا ولها الخ، وأما جاءني رجل ومعه آخر ففيه وجهان، أحدهما أن يكون جملتين متعاطفتين وثانيهما أن يكون آخر معطوفاً على رجل أي جاءني رجل ورجل آخر معه، وعدل عن جاءني رجلان ليفهم أنهما جاءا مصاحبين، وأما الواو في مررت بزيد وفي يده سيف فإنما جاز دخولها بين الحال وذيها لكون الحال في حكم جملة بخلاف الصفة بالنسبة إلى الموصوف فإن جاء زيد راكباً في حكم جاء وهو راكب بخلاف جاء زيد الراكب فافهمه.
سلمنا أنها داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق لكن الدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر غير مسلم وأين الدليل عليه ؟ وكون الواو هي التي آذنت بأن القول المذكور عن ثبات علم وطمأنينة نفس في غاية البعد، والقول بأن الاتباع يدل على ذلك إن أريد منه أنه يدل على إيذان الواو بما ذكر فبطلانه ظاهر وإن أريد منه أن يدل على صدق قائلي القول الأخير وعدم صدق قائلي القولين الأولين فمسلم أن إتباع القولين الأولين برجما بالغيب يدل على عدم الصدق دلالة لا شبهة فيها لكن لا نسلم أن عدم اتباع القول الأخير به واتباعه بما اتبع يدل على ذلك وإن سلمنا فهو يدل دلالة ضعيفة، ولا نسلم أيضاً دلالة كلام ابن عباس على ما ذكر، والظاهر أنه علم أن القول الأخير صادق من الصادق المصدوق ﷺ وأن مراده من قوله حين وقعت الواو انقطعت العدة أن الذي هو صدق ما وقعت الواو فيه وانقطعت العدة به، فالحق أن الواو واو عطف والجملة بعده معطوفة على الجملة قبله. وانتصر العلامة الطيبي للزمخشري وأجاب عما اعترض به عليه فقال : اعلم أنه لا بد قبل الشروق في الجواب من تبيين المقصود تحريراً للبحث فالواو هنا ليست على الحقيقة ولا يعتبر في المجاز النقل الخصوصي بل المعتبر فيه اعتبار نوع العلاقة، وذكروا أن المجاز في عرف البلاغة أولى من الحقيقة وأبلغ وأن مدار علم البيان الذوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم ولا يتوقف على التوقيف وليس ذلك كعلم النحو، والمجاز لا يختص بالاسم والفعل بل قد يقع في الحروف.
وقد نقل شارح اللباب عن سيبويه أن الواو في قولهم : بعت الشاة ودرهماً بمعنى الباء، وتحقيقه أن الواو للجمع والباء للإلصاق وهما من واد واحد فسلك به طريق الاستعارة وكم وكم، وإذا علم ذلك فليعلم أن معنى قوله : فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف أن للصفة نوع اتصال بالموصوف فإذا أريد توكيد اللصوق وسط بينهما الواو ليؤذن أن هذه الصفة غير منفكة عن الموصوف وإليه الإشارة فيما بعد من كلامه، وإن الحال في الحقيقة صفة لا فرق إلا بالاعتبار ألا ترى أن صفة النكرة إذا تقدمت عليها وهي بعينها تصير حالاً ولو لم يكونا متحدين لم يصح ذلك، ثم إن قولك : جاءني رجل ومعه آخر وقولك : مررت بزيد ومعه آخر لما كانا سواء في الصورة اللهم إلا في اعتبار المعرفة والنكرة كان حكمهما سواء في الواو وهو مراد الزمخشري من إيراد المثالين لا كما فهم بعضهم، وأما قول الفرايدي في تعليل امتناع دخول الواو بين الصفة والموصوف لاتحادهما
١ - الحكم بأنه سهو سهو فقد تكرر من الزمخشري مع بسط وتفصيل فتدبر ما قلنا ولا تعجل اهـ منه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى