الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآية قال المفسرون : نزلت في عيينة بن حصين الفزاري، وذلك أنه أتى النبّي ﷺ قبل نزول هذه الآية، وعنده بلال وصهيب وخباب وعمار وعامر بن فهيرة ومهجع وسلمان، وعلى سلمان شملة قد عرق فيها وبيده خوصة يشتقها ثمّ ينسجها، فقال عيينة للنبّي ﷺ أما يؤذيك ريح هؤلاء ؟ فوالله لقد آذانا ريحهم. وقال : نحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وإن أبينا أبى الناس، وما يمنعنا من اتّباعك إلاّ هؤلاء، فنحِّ هؤلاء حتّى نتبعك، واجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً.
فأنزل الله عز و جّل :﴿وَاصْبِرْ﴾ : واحبس ﴿نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ : يعبدون ربهم ويوقّرون ﴿رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، أي طرفي النهار ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، يعني : يريدون الله عزّ وجلّ لا يريدون عرضاً من الدنيا. والمراد منه : الحسنة وترك الريّاء. قال قتادة : يعني : صلاة الصبح والعصر. وقال كعب الأحبار : والذي نفسي بيده إنّهم لأهل الصّلوات المكتوبة. قال قتادة : نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة، وكانوا سبعمئة رجل فقراء لزموا مسجد رسول الله ﷺ لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع، يصلّون صلاة وينتظرون أُخرى. قال قتادة : فلما نزلت هذه الآية قال نبي الله ﷺ " الحمد لله الذي جعل في أُمّتي من أمرت أن أصبر معهم ".
﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ﴾ : لا تصرف ولا تجاوز عيناك ﴿عَنْهُمْ﴾ إلى غيرهم ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يعني مجالسة الرؤساء والأغنياء والأشراف.
ومعنى الآية : ولا تعدُ عيناك عنهم مريداً زينة الدنيا حال خوضهم في الاستغفار لأنه حكم على النبّي ﷺ بإرادته الدنيا. ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي تركنا قلبه وأنسيناه ذكرنا. قال أبو العالية : يعني : أُميّة بن خلف الجمحي. وقال غيره : يعني عيينة بن حصين، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾، قال قتادة والضحّاك ومجاهد : ضياعاً. وقال داود : ندماً. وقال حباب : هلاكاً. وقال ابن زيد : مخالفاً للحق. وقال مقاتل بن حيّان : سرفاً. وقال الأخفش : مجاوزاً للحد. وقال الفرّاء : متروكاً. وقيل : باطلاً. وقال أبو زيد البلخي : قُدُماً في الشر. قال أبو عبيد : هو من قول العرب : فرس فرط إذا سبقت الخيل، وفرط القول منّي أي سبق. وقيل : معناه ضيّع أمره وعطّل أيامه، قالوا : ان المؤمن من يستعمل الأوقات، ولا تستعمله الأوقات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى