محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٨ من سورة الكهف في ١١٩ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٦٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الكهف

١١٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وَاصْبِرْ يا محمد نَفْسَكَ مَعَ أصحابك الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة من الصلوات المفروضة وغيرها يُرِيدُونَ بفعلهم ذلك وَجْهَهُ لا يريدون عرضا من عرض الدنيا.
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في قوله يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ في سورة الأنعام، والصواب من
القول في ذلك عندنا، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. والقرّاء على قراءة ذلك : بالغَدَاة والعَشِيّ، وقد ذُكر عن عبد الله بن عامر وأبي عبد الرحمن السلمي أنهما كانا يقرآنه :«بالغدوة والعشيّ »، وذلك قراءة عند أهل العلم بالعربية مكروهة، لأن غدوة معرّفة، ولا ألف ولا لام فيها، وإنما يعرّف بالألف واللام ما لم يكن معرفة فأما المعارف فلا تعرّف بهما. وبعد، فإن غدوة لا تضاف إلى شيء، وامتناعها من الإضافة دليل واضح على امتناع الألف واللام من الدخول عليها، لأن ما دخلته الألف واللام من الأسماء صلحت فيه الإضافة وإنما تقول العرب : أتيتك غداة الجمعة، ولا تقول : أتيتك غدوة الجمعة، والقراءة عندنا في ذلك ما عليه القرّاء في الأمصار لا نستجيز غيرها لإجماعها على ذلك، وللعلة التي بيّنا من جهة العربية.
وقوله : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ يقول جلّ ثناؤه لنبيه ﷺ : ولا تصرف عيناك عن هؤلاء الذين أمرتك يا محمد أن تصبر نفسك معهم إلى غيرهم من الكفار، ولا تجاوزهم إليه وأصله من قولهم : عدوت ذلك، فأنا أعدوه : إذا جاوزته. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس، في قوله : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ قال : لا تجاوزهم إلى غيرهم.
حدثني عليّ، قال : ثني عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ يقول : لا تتعدّهم إلى غيرهم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : واصْبِرْ نَفْسِكَ. . . الآية، قال : قال القوم للنبيّ ﷺ : إنا نستحيي أن نجالس فلانا وفلانا وفلانا، فجانبهم يا محمد، وجالس أشراف العرب، فنزل القرآن وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاة والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ولا تحقرهم، قال : قد أمروني بذلك، قال : وَلا تُطِعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطا.
حدثنا الربيع بن سليمان، قال : حدثنا ابن وهب، قال : أخبرني أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف، أن هذه الاَية لما نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بضع أبياته وَاصْبْر نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فخرج يلتمس، فوجد قوما يذكرون الله، منهم ثائر الرأس، وجافّ الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم، فقال :«الحَمْدُ لِلّهِ الّذِي جَعَلَ لِي فِي أُمّتي مَنْ أمرني أنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ » ورُفعت العينان بالفعل، وهو لا تعد.
وقوله : تُرِيدُ زِينَة الحَياةَ الدّنيْا يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : لا تعدُ عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربهم إلى أشراف المشركين، تبغي بمجالستهم الشرف والفخر وذلك أن رسول الله ﷺ أتاه فيما ذكر قوم من عظماء أهل الشرك، وقال بعضهم : بل من عظماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام، فرأوه جالسا مع خباب وصهيب وبلال، فسألوه أن يقيمهم عنه إذا حضروا، قالوا : فهمّ رسول الله ﷺ، فأنزل الله عليه : وَلا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ثم كان يقوم إذا أراد القيام، ويتركهم قعودا، فأنزل الله عليه وَاصْبِرْ نَفسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بالغَدَاةِ والعَشِيّ. . . الاَية وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدّنيْا يريد زينة الحياة الدنيا : مجالسة أولئك العظماء الأشراف، وفد ذكرت الرواية بذلك فيما مضى قبل في سورة الأنعام.
حدثني الحسين بن عمرو العن قزي، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، وكان قارىء الأزد عن أبي الكنود، عن خباب في قصة ذكرها عن النبيّ ﷺ، ذكر فيها هذا الكلام مدرجا في الخبر وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدّنيْا قال : تجالس الأشراف.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرت أن عيينة بن حصن قال للنبيّ ﷺ قبل أن يسلم : لقد آذاني ريح سلمان الفارسي، فاجعل لنا مجلسا منك لا يجامعوننا فيه، واجعل لهم مجلسا لا نجامعهم فيه، فنزلت الاَية.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قال : ذُكر لنا أنه لما نزلت هذه الاَية قال نبيّ الله ﷺ :«الحَمْدِ لِلّهِ الّذِي جَعَلَ فِي أُمّتي مَنْ أُمرْتُ أنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ ».
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدّنيْا قال : تريد أشراف الدنيا.
حدثنا صالح بن مسمار، قال : حدثنا الوليد بن عبد الملك، قال : سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهنيّ، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن سلمان الفارسي، قال : جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله ﷺ : عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا : يا نبيّ الله، إنك لو جلست في صدر المسجد، ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان وأبا ذرّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف، ولم يكن عليهم غيرها جلسنا إليك وحادثناك، وأخذنا عنك فأنزل الله : وَاتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبّكَ لا مُبَدّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجدَ مِنْ دُونهِ مُلْتَحَدا، حتى بلغ إنّا أعْتَدْنا للظّالِمِينَ نارا يتهدّدهم بالنار فقام نبيّ الله ﷺ يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال :«الحَمْدُ لِلّهِ الّذِي لَمْ يُمتْنِي حتى أمَرَنِي أنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَ رجِالٍ مِنْ أُمّتِي، مَعَكُمُ المَحيْا وَمَعَكُمُ المَماتُ ».
وقوله : وَلا تُطعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتّبَعَ هَوَاهُ يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : ولا تطع يا محمد من شغلنا قلبه من الكفار الذين سألوك طرد الرهط الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ عنك، عن ذكرنا، بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتبع هواه، وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربه، وهم فيما ذُكر : عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وذووهم.
حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، عن خباب وَلا تُطِعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا قال : عيُينة، والأقرع.
وأما قوله : وكانَ أمْرُهُ فُرُطا فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم : معناه : وكان أمره ضياعا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : وكانَ أمْرُهُ فُرُطا قال ابن عمرو في حديثه قال : ضائعا. وقال الحرث في حديثه : ضياعا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : ضياعا.
وقال آخرون : بل معناه : وكان أمره ندما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا بدل بن المحبر، قال : حدثنا عباد بن راشد، عن داود فُرُطا قال : ندامة.
وقال آخرون : بل معناه : هلاكا. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحسين بن عمرو، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، عن خباب وكانَ أمْرُهُ فُرُطا قال : هلاكا.
وقال آخرون : بل معناه : خلافا للحق. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وكانَ أمْرُهُ فُرُطا قال : مخالفا للحقّ، ذلك الفُرُط.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : معناه : ضياعا وهلاكا، من قولهم : أفرط فلان في هذا الأمر إفراطا : إذا أسرف فيه وتجاوز قدره، وكذلك قوله : وكانَ أمْرُهُ فُرُطا معناه : وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر، واحتقار أهل الإيمان، سرفا قد تجاوز حدّه، فَضَيّع بذلك الحقّ وهلك. وقد :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، قال : قيل له : كيف قرأ عاصم ؟ فقال كانَ أمْرُهُ فُرُطا قال أبو كريب : قال أبو بكر : كان عُيينة بن حصن يفخر بقول أنا وأنا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (واصْبِرْ) يا محمد (نَفْسَكَ مَعَ) أصحابك (الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة من الصلوات المفروضة وغيرها (يُرِيدُونَ) بفعلهم ذلك (وَجْهَهُ) لا يريدون عرضا من عرض الدنيا.
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في قوله (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) في سورة الأنعام، والصواب من القول في ذلك عندنا، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع، والقرّاء على قراءة ذلك (بالغَدَاةِ والعَشيّ)، وقد ذُكر عن عبد الله بن عامر وأبي عبد الرحمن السلمي أنهما كانا يقرآنه (بالغَدَوةِ والعَشِيّ)، وذلك قراءة عند أهل العلم بالعربية مكروهة، لأن غدوة معرّفة، ولا ألف ولا لام فيها، وإنما يعرف بالألف واللام ما لم يكن معرفة، فأما المعارف فلا تعرّف بهما، وبعد، فإن غدوة لا تضاف إلى شيء، وامتناعها من الإضافة دليل واضح على امتناع الألف واللام من الدخول عليها، لأن ما دخلته الألف واللام من الأسماء صلحت فيه الإضافة، وإنما تقول العرب: أتيتك غداة الجمعة، ولا تقول: أتيتك غدوة الجمعة، والقراءة عندنا في ذلك ما عليه القرّاء في الأمصار لا نستجيز غيرها لإجماعها على ذلك، وللعلة التي بيَّنا من جهة العربية.
وقوله: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) يقول جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم: ولا تصرف عيناك عن هؤلاء الذين أمرتك يا محمد أن تصبر نفسك معهم إلى غيرهم من الكفار، ولا تجاوزهم إليه، وأصله من قولهم: عدوت ذلك، فأنا أعدوه: إذا جاوزته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) قال: لا تجاوزهم إلى غيرهم.
حدثني عليّ، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) يقول: لا تتعدّهم إلى غيرهم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ)... الآية، قال: قال القوم للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنا نستحيي أن نجالس فلانا وفلانا وفلانا، فجانبهم يا محمد، وجالس أشراف العرب، فنزل القرآن (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) ولا تحقرهم، قال: قد أمروني بذلك، قال: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).
حدثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف، أن هذه الآية لما نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بعض أبياته (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) فخرج يلتمس، فوجد قوما يذكرون الله، منهم ثائر الرأس، وجافّ الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم، فقال: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لي فِي أُمَّتِي مَنْ أمرني أنْ أصبِرَ نَفْسي مَعَهُ" ورُفعت العينان بالفعل، وهو لا تعد.
وقوله: (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تعدُ عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربهم إلى أشراف المشركين، تبغي بمجالستهم الشرف والفخر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أتاه فيما ذكر قوم من عظماء أهل الشرك، وقال بعضهم: بل من عظماء قبائل العرب ممن لا بصيرة لهم بالإسلام، فرأوه جالسا مع خباب وصهيب وبلال، فسألوه أن يقيمهم عنه إذا حضروا، قالوا: فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عليه: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) ثم كان يقوم إذا أراد القيام، ويتركهم قعودا، فأنزل الله عليه (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) الآيَةَ (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يريد زينة الحياة الدنيا: مجالسة أولئك العظماء الأشراف. وفد ذكرت الرواية بذلك فيما مضى قبل في سورة الأنعام.
حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، قال: ثني أبي، قال: ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، وكان قارئ الأزد عن أبي الكنود، عن خباب في قصة ذكرها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ذكر فيها هذا الكلام مدرجا في الخبر (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) قال: تجالس الأشراف.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرت أن عيينة بن حصن قال للنبيّ ﷺ قبل أن يسلم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي، فاجعل لنا مجلسا منك لا يجامعوننا فيه، واجعل لهم مجلسا لا نجامعهم فيه، فنزلت الآية.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أنه لما نزلت هذه الآية قال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتي مَنْ أُمرْتُ أنْ أصبِرَ نَفْسِي مَعَه".
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) قال: تريد أشراف الدنيا.
حدثنا صالح بن مسمار، قال: ثنا الوليد بن عبد الملك، قال: سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله الجهنيّ، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن سلمان الفارسي، قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عيينة بن حصن، (١) والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا نبيّ الله، إنك لو جلست في صدر المسجد، ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم
(١) في الأصل: عيينة بن بدر. والصواب: ابن حصن، ولعله من سبق القلم. وقد ذكره صحيحا بعده بقليل.
يعنون سلمان وأبا ذرّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف، ولم يكن عليهم غيرها - جلسنا إليك وحادثناك، وأخذنا عنك، فأنزل الله: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا)، حتى بلغ (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا) يتهدّدهم بالنار، فقام نبيّ الله ﷺ يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْني حتى أمَرَنِي أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَ رِجالٍ منْ أُمَّتي، مَعَكُمُ المَحْيا وَمَعَكُمُ المَماتُ".
وقوله: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: ولا تطع يا محمد من شغلنا قلبه من الكفار الذين سألوك طرد الرهط الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ عنك، عن ذكرنا، بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتبع هواه، وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربه، وهم فيما ذُكر: عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وذووهم.
حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، عن خباب (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) قال: عُيينة، والأقرع.
وأما قوله: (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: وكان أمره ضياعا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) قال ابن عمرو في حديثه قال: ضائعا. وقال الحارث في حديثه: ضياعا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ضياعا.
وقال آخرون: بل معناه: وكان أمره ندما.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي : اجلس(١) مع الذين يذكرون الله ويهللونه، ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشيًا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء. يقال : إنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده(٢) ولا يجالسهم(٣) بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب [ وخباب ](٤) وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة. فنهاه الله عن ذلك، فقال :﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢](٥) الآية، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس(٦) مع هؤلاء، فقال :﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾
وقال مسلم في صحيحه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شُرَيْح، عن أبيه، عن سعد - هو ابن أبي وقاص - قال : كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا !. قال : وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال ورجلان نسيت اسميهما(٧) فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله عز وجل :﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري(٨)
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي التَّيَّاح قال : سمعت أبا الجعد يحدّث عن أبي أمامة قال : خرج رسول الله ﷺ على قاص يقص، فأمسك، فقال رسول الله ﷺ :" قُص، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس، أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقاب " (٩)
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا هاشم(١٠) حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن مَيْسَرة قال : سمعت كُرْدُوس بن قيس - وكان قاص العامة بالكوفة - يقول : أخبرني رجل من أصحاب بدر : أنه سمع النبي ﷺ يقول :" لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب ". قال شعبة : فقلت : أي مجلس ؟ قال : كان قاصا(١١) (١٢)
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا محمد، حدثنا يزيد بن أبان، عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ :" لأن أجالس قومًا يذكرون الله من صلاة الغداة(١٣) إلى طلوع الشمس، أحَبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحبّ إلي من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا ". فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس، فبلغت ستة وتسعين(١٤) ألفًا، وهاهنا من يقول :" أربعة من ولد إسماعيل " والله ما قال إلا ثمانية، دية كل واحد منهم اثنا(١٥) عشر ألفًا(١٦)
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي(١٧) مسلم - وهو الكوفي - أن رسول الله ﷺ مرّ برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ﷺ سكت، فقال رسول الله ﷺ " هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم ".
هكذا رواه أبو أحمد، عن عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر مرسلا. وحدثناه يحيى بن المعلى، عن(١٨) منصور، حدثنا محمد(١٩) بن الصلت، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم(٢٠) عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا جاء رسول الله ﷺ، ورجل يقرأ سورة الحِجْر أو سورة الكهف، فسكت، فقال رسول الله ﷺ :" هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم " (٢١).
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكر(٢٢) حدثنا ميمون المَرئي، حدثنا ميمون بن سِيَاه، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال :" ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء : أن قوموا مغفورًا لكم، قد بُدِّلت سيئاتُكُم حسنات " (٢٣) تفرد به أحمد، رحمه الله.
وقال الطبراني : حدثنا إسماعيل بن الحسن، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد(٢٤) عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حُنيف قال : نزلت على رسول الله ﷺ، وهو في بعض أبياته :﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فخرج يلتمسهم، فوجد قومًا يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس، وجافي الجلد(٢٥) وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال :" الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم " (٢٦)
عبد الرحمن هذا، ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة(٢٧) وأما أبوه فمن سادات الصحابة، رضي الله عنهم.
وقوله :﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس : ولا تجاوزهم إلى غيرهم : يعني : تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة.
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي : شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا ﴿[ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ] وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾(٢٨) أي : أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا له ولا محبًا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال تعالى :﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]
١ في ت: "يجلس"..
٢ في ت، ف: "وحدهم"..
٣ في ت: "تجالسهم"..
٤ زيادة من ف..
٥ في ت: "يطرد"..
٦ في ت: "في المجلس"..
٧ في ت : ، ف: "اسمهما"..
٨ صحيح مسلم برقم (٢٤١٣)..
٩ المسند (٥/٢٦١)..
١٠ في ت: "هشام"..
١١ في ت: "وقاص"..
١٢ المسند (٣/٤٧٤) وكردوس بن قيس لم يوثقه إلا ابن حبان..
١٣ في ت: "الغد".
.

١٤ في ت: "وسبعين"..
١٥ في ت: "اثنتا"..
١٦ مسند الطيالسى برقم (٢١٠٤) ويزيد بن أبان ضعيف..
١٧ في ت: "أي"..
١٨ في ت، ف: "بن"..
١٩ في ت: "أحمد"..
٢٠ في ت: "الأغر بن أبي مسلم"..
٢١ مسند البزار برقم (٥٢٣٢، ٢٣٢٦) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٦٤): "وفيه عمرو بن ثابت أبو المقدام وهو متروك"..
٢٢ في ف، أ: "بكير"..
٢٣ المسند (٣/١٤٢) وميمون المرئي ضعيف..
٢٤ في ت: "زيدى"..
٢٥ في ف: "الجلود"..
٢٦ ورواه ابن منده وأبو نعيم في الصحابة كما في أسد الغابة (٣/٣٥٣) من طريق أبي حازم به..
٢٧ وتعقبه ابن الأثير بقوله: "ولا يصح، وإنما الصحبة لأبيه ولأخيه أبي أمامة، وله رؤية"..
٢٨ زيادة من ف..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ [عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ] (١) بِتِلَاوَةِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَإِبْلَاغِهِ (٢) إِلَى النَّاسِ: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أَيْ: لَا مُغَيِّرَ (٣) لَهَا وَلَا مُحَرِّفَ وَلَا مُؤَوِّلَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مُلْتَحَدًا﴾ قَالَ: مَلْجَأً. وَعَنْ قَتَادَةَ: وَلِيًّا وَلَا مَوْلًى] (٤) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُ (٥) إِنْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لَمْ تَتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ، فَإِنَّهُ لَا مَلْجَأَ لَكَ مِنَ اللَّهِ". كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦٧]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٥] أَيْ: سَائِلُكَ عَمَّا فَرَضَ عَلَيْكَ مِنْ إِبْلَاغِ الرسالة.
(١) زيادة من أ.
(٢) في ت "وابتلاغه".
(٣) في ت، ف: "أي غير مغير".
(٤) زيادة من أ.
(٥) في ت: "ويقول".
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أَيْ: اجْلِسْ (١) مَعَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ وَيُهَلِّلُونَهُ، وَيَحْمَدُونَهُ وَيُسَبِّحُونَهُ وَيَكْبُرُونَهُ، وَيَسْأَلُونَهُ بِكُرَةً وَعَشِيًّا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، سَوَاءً كَانُوا فُقَرَاءَ أَوْ أَغْنِيَاءَ أَوْ أَقْوِيَاءَ أَوْ ضُعَفَاءَ. يُقَالُ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، حِينَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْلِسَ مَعَهُمْ وَحْدَهُ (٢) وَلَا يُجَالِسَهُمْ (٣) بِضُعَفَاءِ أَصْحَابِهِ كَبِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَصُهَيْبٍ [وَخَبَّابٍ] (٤) وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلْيُفْرِدْ أُولَئِكَ بِمَجْلِسٍ عَلَى حِدَةٍ. فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: ٥٢] (٥) الْآيَةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَبِّرَ نَفْسَهُ فِي الْجُلُوسِ (٦) مَعَ هَؤُلَاءِ، فَقَالَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾
وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْح، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَاصٍّ-قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا!. قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ نَسِيتُ اسْمَيْهِمَا (٧) فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ دُونَ الْبُخَارِيِّ (٨)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاح قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْجَعْدِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَاصٍّ يَقُصُّ، فَأَمْسَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قُص، فَلِأَنْ أَقْعُدَ غُدْوَةً إِلَى أَنْ تُشْرِقَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَ رِقَابٍ" (٩)
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ (١٠) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرة قَالَ: سَمِعْتُ كُرْدُوس بْنَ قَيْسٍ -وَكَانَ قَاصَّ الْعَامَّةِ بِالْكُوفَةِ-يَقُولُ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابٍ بَدْرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لِأَنْ أَقْعُدَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجْلِسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَ رِقَابٍ". قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ: أَيُّ مَجْلِسٍ؟ قَالَ: كَانَ قَاصًّا (١١) (١٢)
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَأَنْ أُجَالِسَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ (١٣) إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، أحَبّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَلَأَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أعتق
(١) في ت: "يجلس".
(٢) في ت، ف: "وحدهم".
(٣) في ت: "تجالسهم".
(٤) زيادة من ف.
(٥) في ت: "يطرد".
(٦) في ت: "في المجلس".
(٧) في ت: ، ف: "اسمهما".
(٨) صحيح مسلم برقم (٢٤١٣).
(٩) المسند (٥/٢٦١).
(١٠) في ت: "هشام".
(١١) في ت: "وقاص".
(١٢) المسند (٣/٤٧٤) وكردوس بن قيس لم يوثقه إلا ابن حبان.
(١٣) في ت: "الغد".
ثَمَانِيَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ دِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا". فَحَسِبْنَا دِيَّاتِهِمْ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ أَنَسٍ، فَبَلَغَتْ سِتَّةً وَتِسْعِينَ (١) أَلْفًا، وَهَاهُنَا مَنْ يَقُولُ: "أَرْبَعَةٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ" وَاللَّهِ مَا قَالَ إِلَّا ثَمَانِيَةً، دِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اثْنَا (٢) عَشَرَ أَلْفًا (٣)
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بن ثابت، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي (٤) مُسْلِمٍ -وَهُوَ الْكُوفِيُّ-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكَتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "هَذَا الْمَجْلِسُ الَّذِي أُمِرْتُ أَنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَهُمْ".
هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنِ الْأَغَرِّ مُرْسَلًا. وَحَدَّثْنَاهُ يَحْيَى بْنُ الْمُعَلَّى، عَنْ (٥) مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ (٦) بْنُ الصَّلْتِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ (٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ قَالَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الحِجْر أَوْ سُورَةَ الْكَهْفِ، فَسَكَتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَذَا الْمَجْلِسُ الَّذِي أُمِرْتُ أَنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَهُمْ" (٨).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (٩) حَدَّثَنَا مَيْمُونٌ المَرئي، حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ سِيَاه، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يُذْكُرُونَ اللَّهَ، لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلَّا وَجْهَهُ، إِلَّا نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ، قَدْ بُدِّلت سيئاتُكُم حَسَنَاتٍ" (١٠) تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (١١) عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنيف قَالَ: نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ فِي بَعْضِ أَبْيَاتِهِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فَخَرَجَ يَلْتَمِسُهُمْ، فَوَجَدَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى، مِنْهُمْ ثَائِرُ الرَّأْسِ، وَجَافِي الْجِلْدِ (١٢) وَذُو الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَلَمَّا رَآهُمْ جَلَسَ مَعَهُمْ وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أَمَرَنِي اللَّهُ أَنَّ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَهُمْ" (١٣)
عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الصَّحَابَةِ (١٤) وَأَمَّا أبوه فمن سادات الصحابة،
(١) في ت: "وسبعين".
(٢) في ت: "اثنتا".
(٣) مسند الطيالسى برقم (٢١٠٤) ويزيد بن أبان ضعيف.
(٤) في ت: "أي".
(٥) في ت، ف: "بن".
(٦) في ت: "أحمد".
(٧) في ت: "الأغر بن أبي مسلم".
(٨) مسند البززار برقم (٥٢٣٢، ٢٣٢٦) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٦٤) :"وفيه عمرو بن ثابت أبو المقدام وهو متروك".
(٩) في ف، أ: "بكير".
(١٠) المسند (٣/١٤٢) وميمون المرئي ضعيف.
(١١) في ت: "زيدى".
(١٢) في ف: "الجلود".
(١٣) ورواه ابن منده وأبو نعيم في الصحابة كما في أسد الغابة (٣/٣٥٣) من طريق أبي حازم به.
(١٤) وتعقبه ابن الأثير بقوله: "ولا يصح، وإنما الصحبة لأبيه ولأخيه أبي أمامة، وله رؤية".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٢٨ } ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾
يأمر تعالى نبيه محمدا ﷺ، وغيره أسوته، في الأوامر والنواهي -أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي : أول النهار وآخره يريدون بذلك وجه الله، فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها، ففيها الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد، ما لا يحصى.
﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ أي : لا تجاوزهم بصرك، وترفع عنهم نظرك.
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فإن هذا ضار غير نافع، وقاطع عن المصالح الدينية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة، فإن زينة الدنيا تروق للناظر، وتسحر العقل، فيغفل القلب عن ذكر الله، ويقبل على اللذات والشهوات، فيضيع وقته، وينفرط أمره، فيخسر الخسارة الأبدية، والندامة السرمدية، ولهذا قال :﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ غفل عن الله، فعاقبه بأن أغفله عن ذكره.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي : صار تبعا لهواه، حيث ما اشتهت نفسه فعله، وسعى في إدراكه، ولو كان فيه هلاكه وخسرانه، فهو قد اتخذ إلهه هواه، كما قال تعالى :﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾ الآية. ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ﴾ أي : مصالح دينه ودنياه ﴿فُرُطًا﴾ أي : ضائعة معطلة. فهذا قد نهى الله عن طاعته، لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به، ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به، ودلت الآية، على أن الذي ينبغي أن يطاع، ويكون إماما للناس، من امتلأ قلبه بمحبة الله، وفاض ذلك على لسانه، فلهج بذكر الله، واتبع مراضي ربه، فقدمها على هواه، فحفظ بذلك ما حفظ من وقته، وصلحت أحواله، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما من الله به عليه، فحقيق بذلك، أن يتبع ويجعل إماما، والصبر المذكور في هذه الآية، هو الصبر على طاعة الله، الذي هو أعلى أنواع الصبر، وبتمامه تتم باقي الأقسام. وفي الآية، استحباب الذكر والدعاء والعبادة طرفي النهار، لأن الله مدحهم بفعله، وكل فعل مدح الله فاعله، دل ذلك على أن الله يحبه، وإذا كان يحبه فإنه يأمر به، ويرغب فيه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٨} ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.
يأمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وغيره أسوته، في الأوامر والنواهي -أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي: أول النهار وآخره يريدون بذلك وجه الله، فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها، ففيها الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد، ما لا يحصى.
﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تجاوزهم بصرك، وترفع عنهم نظرك.
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فإن هذا ضار غير نافع، وقاطع عن المصالح الدينية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة، فإن زينة الدنيا تروق للناظر، وتسحر العقل، فيغفل القلب عن ذكر الله، ويقبل على اللذات والشهوات، فيضيع وقته، وينفرط أمره، فيخسر الخسارة الأبدية، والندامة السرمدية، ولهذا قال: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ غفل عن الله، فعاقبه بأن أغفله عن ذكره.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: صار تبعا لهواه، حيث ما اشتهت نفسه فعله، وسعى في إدراكه، ولو كان فيه هلاكه وخسرانه، فهو قد اتخذ إلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾ الآية. ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ﴾ أي: مصالح دينه ودنياه ﴿فُرُطًا﴾ أي: ضائعة معطلة. فهذا قد نهى الله عن طاعته، لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به، ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به، ودلت الآية، على أن الذي ينبغي أن يطاع، ويكون إماما للناس، من امتلأ قلبه بمحبة الله، وفاض ذلك على لسانه، فلهج بذكر الله، واتبع مراضي ربه، فقدمها على هواه، فحفظ بذلك ما حفظ من وقته، وصلحت أحواله، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما من الله به عليه، فحقيق بذلك، أن يتبع ويجعل إماما، والصبر المذكور في هذه الآية، هو الصبر على طاعة الله، الذي هو أعلى أنواع الصبر، وبتمامه تتم باقي الأقسام. وفي الآية، استحباب الذكر والدعاء والعبادة طرفي النهار، لأن الله مدحهم بفعله، وكل فعل مدح الله فاعله، دل ذلك على أن الله يحبه، وإذا كان يحبه فإنه يأمر به، ويرغب فيه.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم — ابن القيم التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ.
وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ
لَا تَصْرِفْ نَظَرَكَ.
فُرُطًا
هَلَاكًا، وَضَيَاعًا.

إعراب الآية ٢٨ من سورة الكهف

من كتاب: إعراب القرآن

وعاصم، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ بغير تنوين. القراءة الأولى على أن سنين في موضع نصب أو خفض فالنصب على البدل من ثلاث، وقال أبو إسحاق: سنين في موضع نصب على عطف البيان والتوكيد، وقال الكسائي والفراء»
وأبو عبيدة: التقدير ولبثوا في كهفهم سنين ثلاث مائة. قال أبو جعفر: والخفض ردّ على مائة لأنها بمعنى مئين، كما أنشد النحويون: [الكامل] ٢٧٣-
فيها اثنتان وأربعون حلوبةسودا كخافية الغراب الأسحم «٢»
فنعت حلوبة بسود لأنها بمعنى الجمع. فأما ثلاث مائة سنين فبعيد في العربية.
يجب أن تتوقّى القراءة به لأن كلام العرب ثلاث مائة سنة فسنة بمعنى سنين فجئت به على المعنى والأصل.

[سورة الكهف (١٨) : آية ٢٦]

قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦)
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ حذف منه الإعراب لأنه على لفظ الأمر، وهو بمعنى التعجب أي ما أسمعه وما أبصره.
وقرأ نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبو عبد الرحمن وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: ٥٢] وحجّتهم أنها في السواد بالواو.
قال أبو جعفر: وهذا لا يلزم لكتبهم الصلاة والحياة بالواو، ولا تكاد العرب تقول:
الغدوة لأنها معرفة ولا تدخل الألف واللام على معرفة، وروي عن الحسن (لا تعد عينيك) «٣» نصب بوقوع الفعل عليها.

[سورة الكهف (١٨) : آية ٣٠]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ في خبر إنّ ثلاثة أقوال: منها أن يكون التقدير إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، ثم حذف منهم لأن الله جلّ وعزّ أخبرنا أنه يحبط أعمال الكفار، وقيل: التقدير: إنّا لا نضيع أجرهم لأن من أحسن عملا لهم، والجواب الثالث أن يكون التقدير: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم جنات عدن وعَمَلًا نصب على البيان.
(١) انظر معاني الفراء ٢/ ١٣٨.
(٢) الشاهد لعنترة في ديوانه ١٩٣، والحيوان ٣/ ٤٢٥، وخزانة الأدب ٧/ ٣٩٠، وشرح شذور الذهب ٣٢٥، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٨٧، وبلا نسبة في شرح الأشموني ٣/ ٦٢٥، وشرح المفصّل ٣/ ٥٥.
(٣) انظر المحتسب ٢/ ٢٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢٨ من سورة الكهف

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ...﴾ الآية. [٢٨].
حدثنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، إملاء في "دار السُّنة" يوم الجمعة بعد الصلاة، في شهور سنة عشر وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن عَبْدَوَيْه الحِيرِي قال: حدثنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، قال: حدثنا الوليد بن عبد الملك بن مسرح الحرّاني، قال: حدثنا سليمان بن عطاء الحراني، عن مسلمة بن عبد الله الجُهني، عن عمه ابن مشجعة بن ربعي الجهني، عن سلمانَ الفارسيَ، قال:
جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عُيَيْنَة بن حِصْن، والأقرَع بن حابِس، وذَوُوهم، فقالوا: يا رسول الله، إنك لو جلست في صدر المجلس ونحيّت عنا هؤلاء وأرْوَاحَ جِبَابِهم - يعنون سَلْمَان، وأبا ذَرْ، وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جِبَاب الصوف ولم يكن عليهم غيرها - جَلَسْنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك! فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً * وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ حتى بلغ، ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً﴾ يتهددهم بالنار، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى قال: الحمد لله الذي لم يُمتِنْي حتى أمرني أن أصْبِرَ نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا، ومعكم الممات.
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ الآية. [٢٨].
أخبرنا أبو بكر الحارثي، قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، قال: حدثنا أبو يحيى الرازي، قال: حدثنا سهل بن عثمان، قال: حدثنا أبو مالك، عن جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ قال:
نزلت في أمية بن خلف الجُمَحِي، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم أمر كَرِهَهُ: من طرد الفقراء عنه، وتقريب صَنَادِيدِ أهل مكة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ يعني مَن خَتَمْنَا على قلبه عن التوحيد، ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ يعني الشركَ.

القراءات في الآية ٢٨ من سورة الكهف

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

بِالْغَدَاوةِ

(بِالْغَدَاةِ) بفتح الغين والدال وبعدها ألف دون واو فيها

روح عن يعقوب الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة ابن جمّاز عن أبي جعفر خلف عن حمزة حفص عن عاصم رويس عن يعقوب شعبة عن عاصم إسحاق عن خلف قالون عن نافع ورش عن نافع إدريس عن خلف البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

(بِالْغُدْوَةِ) بضم الغين وإسكان الدال وفتح الواو دون ألف فيها

ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر

تُرِيدُ زِينَةَ

إدغام الدال في الزاي إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار الدال مرفوعة

روح عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب إسحاق عن خلف ابن وردان عن أبي جعفر إدريس عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٨ من سورة الكهف

١٥ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٦٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣٨ قولًا
١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿وكان أمره فرطا﴾، قال: مُخالِفًا للحق، ذلك الفُرُط١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٢٤٣.
٢
قال يحيى بن سلام: كان مُقَصِّرًا مُضَيِّعًا. وهو مثل قوله: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦]، يعني: ضيَّعْتُ وقَصَّرْتُ، ومثل قوله: ﴿يا حسرتنا على ما فرطنا فيها﴾ [الأنعام:٣١]١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١٨٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في معنى ﴿فرطا﴾ على أربعة أقوال: الأول: ضياعًا. والثاني: هلاكًا. والثالث: ندمًا. والرابع: خلافًا للحق. ورجّح ابنُ جرير (١٥/٢٤٣) الجمع بين الأقوال مستندًا إلى اللغة، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ضياعًا وهلاكًا، من قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطًا؛ إذا أسرف فيه وتجاوز قدره، وكذلك قوله: ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ معناه: وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في البسار والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفًا قد تجاوز حدّه، فَضَيَّع بذلك الحقّ وهلك». وذكر ابنُ عطية (٥/٥٩٨) أن «الفرط» يحتمل أن يكون بمعنى: التفريط والتضييع، أي: أمره الذي يجب أن يلتزم، ويحتمل أن يكون بمعنى: الإفراط والإسراف، أي: أمره وهواه الذي هو بسبيله. ثم قال: «قد فسَّره المتأولون بالعبارتين: أعني: التضييع والإسراف، وعبر خباب عنه بالهلاك، وداود بالندامة، وابن زيد بالخلاف للحق، وهذا كله تفسير بالمعنى». ورأى ابنُ القيم (٢/٢٦٠) تقارب الأقوال، فقال بعد سردها: «وكلها أقوال متقاربة».
٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿تريد زينة الحياة الدنيا﴾، قال: تريد أشراف الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٢٤٠.
٤
قال يحيى بن سلام: ﴿ولا تعد عيناك﴾ محقرة لهم إلى غيرهم ﴿تريد زينة الحياة الدنيا﴾١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١٨١.
٥
عن خباب -من طريق أبي الكنود- ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾، قال: عيينة، والأقرع١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار في مسنده ٦‏/‏٦٩-٧٢ (٢١٣٠)، وابن جرير ١٥‏/‏٢٤١، والطبراني في الكبير ٤‏/‏٧٧ (٣٦٩٣)، وابن جرير ١٥‏/‏٦٤٠. وتقدم ذكر القصة في نزول الآية.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾، يعني: مَن ختمنا على قلبه، يعني: التوحيد١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٧
عن أبي العالية الرياحي، في قوله: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾، قال: يعني: أمية بن خلف الجمحي١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏١٦٦.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾، يعني: القرآن١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٨٢-٥٨٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في المشار إليه بقوله: ﴿من أغفلنا قلبه﴾؛ فقال قوم: عيينة بن حصن. وقال غيرهم: أمية بن خلف. وقال آخرون: كل من هذه صفته. وعلَّق ابنُ عطية (٥/٥٩٨) على القول الأخير الذي قاله ابن عباس، فقال: «وإنما المراد أولًا: كفار قريش؛ لأن الآية مكية».
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿واتبع هواه﴾، يعني: الشرك١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٠
تفسير السدي: قوله: ﴿واتبع هواه﴾، يعني: شهوته١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ١‏/‏١٨٢.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واتبع هواه﴾، يعني: وآثر هواه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٨٢-٥٨٣.
١٢
عن خباب -من طريق أبي الكنود- ﴿وكان أمره فرطا﴾، قال: هلاكًا١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار في مسنده ٦‏/‏٦٩-٧٢ (٢١٣٠)، وابن جرير ١٥‏/‏٢٤٢، والطبراني في الكبير ٤‏/‏٧٧ (٣٦٩٣)، وابن جرير ١٥‏/‏٦٤٠. وتقدم ذكر القصة في نزول الآية.
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿وكان أمره فرطا﴾، يعني: فرطًا في أمر الله، وجهالة بالله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٤
عن أبي الجوزاء -من طريق عمرو بن مالك- ﴿وكان أمره فرطًا﴾، قال: تسريف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب قصر الأمل -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٣‏/‏٣٤٩ (٢٠٤)-، وأخرجه الخطيب في اقتضاء العلم العمل (١١٣) وفيه: «تسويفًا» بدل: تسريف.
١٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وكان أمره فرطا﴾، قال: ضياعًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٢٤٢. وعلقه يحيى بن سلام ١‏/‏١٨٢. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٦
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿وكان أمره فرطا﴾، قال: ضياعًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏١٦٦.
١٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وكان أمره فرطا﴾، قال: أضاع أكبر الضيعة، أضاع نفسه، وعسى مع ذلك أن تجده حافِظًا لماله، مُضَيِّعًا لدينه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٣٢).
١٨
عن داود [بن أبي هند] -من طريق عباد بن راشد- ﴿فرطا﴾، قال: ندامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٢٤٢.
١٩
في تفسير إسماعيل السدي: ﴿وكان أمره فرطا﴾: ضياعًا١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ١‏/‏١٨٢.
٢٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وكان أمره﴾ الذي يذكر مِن شرفه وحَسَبه ﴿فرطا﴾ يعني: ضائعًا في القيامة. مثل قوله: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام:٣٨]، يعني: ما ضَيَّعنا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٨٢-٥٨٣.
٢١
عن مقاتل بن حيان، في قوله: ﴿وكان أمره فرطا﴾، قال: سَرَفًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏١٦٦، وتفسير البغوي ٥‏/‏١٦٧.
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿مع الذين يدعون ربهم﴾، قال: يعبدون ربهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٨.
٢٣
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع- في هذه الآية: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٢٦٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
٢٤
وعن عبد الله بن عباس، مثله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.
٢٥
قال كعب الأحبار: والذي نفسي بيده، إنّهم لأهل الصلوات المكتوبة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏١٦٦.
٢٦
عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، في هذه الآية، قال: هم الذين يقرؤون القرآن١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. وفيه: عبيد الله بن عبد الله بن عدي بن الخيار. وهو خطأ، ينظر: تهذيب الأسماء والصفات ١‏/‏١١٣، وتهذيب الكمال ١٩‏/‏١١٢.
٢٧
عن إبراهيم النخعي -من طريق مغيرة- في قوله: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾، قال: هم أهل الذِّكْر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٨.
٢٨
عن إبراهيم النخعي -من طريق منصور- في قوله: ﴿واصبر نفسك﴾ الآية، قال: لا تطردهم عن الذِّكْر١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر.
٢٩
عن أبي جعفر الرازي -من طريق جابر- في الآية، قال: أُمِر أن يصبر نفسه مع أصحابه يعلمهم القرآن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٢٦٨، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٨.
٣٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾، يعني: يعبدون ربهم، يعني: بالصلاة له١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٨٢-٥٨٣.
٣١
عن أبي هاشم، في الآية، قال: كانوا يتفاضلون في الحلال والحرام١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٣٢
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه [عبد الله بن عمرو بن العاص]، في قوله: ﴿واصبر نفسك﴾ الآية، قال: نزلت في صلاة الصبح، وصلاة العصر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٧‏/‏٢٣٥٧ (١٢٧٧٣).
٣٣
عن إبراهيم النخعي، ومجاهد بن جبر -من طريق منصور- ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾، قالا: الصلوات الخمس١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٩١٦).
٣٤
عن معاوية بن قُرَّة -من طريق الخليل بن مرة- قال في هذه الآية: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾، قال: في الصلاة١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏١٨١.
٣٥
قال قتادة بن دعامة: قوله: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾، وهما الصلاتان: صلاة الفجر، وصلاة العصر. وإنما فرضت الصلوات قبل خروج النبي من مكة إلى المدينة بسنة١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ١‏/‏١٨١.
٣٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿بالغداة والعشي﴾ طرفي النهار ﴿يريدون وجهه﴾ يعني: يبتغون بصلاتهم وصومِهم وجهَ ربهم١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٨٢-٥٨٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ عطية (٥/٥٩٨): «ويدخل في الآية مَن يدعو في غير صلاة، ومَن يجتمع لمذاكرة علم، وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «لذكر الله بالغداة والعشي أفضل من حطْم السيوف في سبيل الله، ومن إعطاء المال سَحًّا»».
٣٧
عن خباب -من طريق أبي الكنود- في قصة ذكرها عن النبي ﷺ، ذكر فيها هذا الكلام مدرجًا في الخَبَر: ﴿ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾، قال: تجالس الأشراف١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار في مسنده ٦‏/‏٦٩-٧٢ (٢١٣٠)، وابن جرير ١٥‏/‏٢٤٠، والطبراني في الكبير ٤‏/‏٧٧ (٣٦٩٣)، وابن جرير ١٥‏/‏٦٤٠. وتقدم ذكر القصة في نزول الآية.
٣٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قوله: ﴿ولا تعد عيناك عنهم﴾، يقول: لا تتعدهم إلى غيرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٢٣٨، وأخرج ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٨ -كما في الإتقان ٢‏/‏٢٥-.

آثار متعلقة بالآية

١٢ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس، قال: مرَّ النبي ﷺ بعبد الله بن رواحة وهو يذكر أصحابه، فقال رسول الله ﷺ: «أما إنّكم الملأ الذين أمرني الله أن أصبر نفسي معهم». ثم تلا: ﴿واصبر نفسك﴾ الآية. «أما إنه ما جلس عِدَّتُكم إلا جلس معهم عِدَّتُهم من الملائكة، إن سبَّحوا الله سَبَّحوه، وإن حمدوا الله حمدوه، وإن كبَّروا الله كبَّروه، ثم يصعدون إلى الربِّ وهو أعلم، فيقولون: ربَّنا، عبادك سبحوك فسبَّحنا، وكبَّروك فكبرنا، وحمدوك فحمدنا. فيقول ربُّنا: يا ملائكتي، أُشهِدُكم أني قد غفرت لهم. فيقولون: فيهم فلان الخطاء. فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسُهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الصغير ٢‏/‏٢٢٧ (١٠٧٤)، وأبو نعيم في الحلية ٥‏/‏١١٨. قال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٧٦ (١٦٧٦٦): «رواه الطبراني في الصغير، وفيه محمد بن حماد الكوفي، وهو ضعيف».
٢
عن عمر بن ذر، عن أبيه: أنّ رسول الله ﷺ انتهى إلى نفر من أصحابه، فيهم عبد الله بن رواحة يذكرهم بالله، فلما رآه عبد الله سكت، فقال له رسول الله ﷺ: «ذكِّر أصحابك». فقال: يا رسول الله، أنت أحقُّ. فقال: «أما إنكم الملأ الذين أمرني أن أصبر نفسي معهم». ثم تلا: ﴿واصبر نفسك﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥‏/‏١١٧، وابن عساكر في تاريخه ٢٨‏/‏٨٧-٨٨، وابن أبي حاتم ٧‏/‏٢٣٥٦ (١٢٧٧١) واللفظ له، من طريق عمر بن ذر، عن أبيه به. إسناده ضعيف لانقطاعه؛ ذر بن عبد الله المرهبي لم يدرك النبي ﷺ ولا أصحابه. والحديث مرويٌّ من طريقه عن مجاهد، عن ابن عباس به، وهو الحديث المتقدّم قبله.
٣
عن سلمان الفارسي، قال: قام رسول الله ﷺ يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال: «الحمدُ لله الذي لم يُمِتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا والممات»١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ١٣‏/‏٩٩ (١٠٠١٢)، وأبو نعيم في الحلية ١‏/‏٣٤٥، وابن جرير ١٥‏/‏٢٤٠-٢٤١.
٤
عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، قالا: جاء رسول الله ﷺ ورجل يقرأ سورة الحِجر أو سورة الكهف، فسكت، فقال رسول الله ﷺ: «هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار ١٨‏/‏٨٩ (٢٢). قال البزار: «وهذا الحديث وصله محمد بن الصلت، ولا نعلم أحدًا وصله غيره، ولا نعلم أسند علي بن الأقمر، عن الأغر، عن أبي هريرة وأبي سعيد إلا هذين الحديثين». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٦٤ (١١٦٥٩): «رواه البزار متصلًا ومرسلًا، وفيه عمرو بن ثابت أبو المقدام، وهو متروك». وقال ابن كثير ٩‏/‏١٢٩: «هكذا رواه أبو أحمد، عن عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر مرسلًا».
٥
عن الأغر أبي مسلم -وهو كوفي-: أنّ رسول الله ﷺ مرَّ برجل يقرأ سورة الكهف، فلمّا رأى النبيُّ ﷺ سكت، فقال رسول الله ﷺ: «هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار ١٨‏/‏٨٩ (٢١). قال البزار: «هكذا رواه أبو أحمد، عن عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر مرسلًا». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٦٤ (١١٦٥٩): «رواه البزار متصلًا ومرسلًا، وفيه عمرو بن ثابت أبو المقدام، وهو متروك».
٦
عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ على قاصٍّ يقُصُّ، فأمسك، فقال رسول الله ﷺ: «قص، فلَأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحبُّ إليَّ من أن أعتق أربع رقاب»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٦‏/‏٥٩٠-٥٩١ (٢٢٢٥٤). قال الهيثمي في المجمع ١‏/‏١٩٠ (٩١١): «ورجاله موثقون، إلا أن فيه أبا الجعد عن أبي أمامة؛ فإن كان هو الغطفاني فهو من رجال الصحيح، وإن كان غيره فلم أعرفه».
٧
عن أبي سعيد الخدري، قال: أتى علينا رسول الله ﷺ ونحن ناس مِن ضَعَفَة المسلمين، ورجل يقرأ علينا القرآن، ويدعو لنا، فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله الذي جعل في أُمَّتي مَن أمرت أن أصبر نفسي معهم». ثم قال: «بشِّر فقراء المسلمين بالنور التام يوم القيامة، يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم؛ مقدار خمسمائة عام، هؤلاء في الجنة ينتعمون، وهؤلاء يحاسبون»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٨‏/‏١٤٧ (١١٦٠٤)، ١٨‏/‏٤٠٧ (١١٩١٥)، وأبو داود ٥‏/‏٥٠٦-٥٠٧ (٣٦٦٦). قال البوصيري في إتحاف الخيرة ٧‏/‏٣٢٤ (٦٩٦٢): «رواه مسدد، ورواته ثقات».
٨
عن ثابت، قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمرَّ النبيُّ ﷺ، فكَفُّوا، فقال: «ما كنتم تقولون؟». قلنا: نذكر الله. قال: «فإنِّي رأيت الرحمةَ تنزل عليكم، فأحببت أن أشارككم فيها». ثم قال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي مَن أمرت أن أصبر نفسي معهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في الحلية ١‏/‏٣٤٢.
٩
عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ، قال: «ما مِن قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم منادٍ من السماء: أن قوموا مغفورًا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٩‏/‏٤٣٧ (١٢٤٥٣)، ويحيى بن سلام ٢‏/‏٧٢٤، وفيه ميمون المرئي. قال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ ٤‏/‏٢١١٧ (٤٩٠٨): «وميمون هذا ضعيف». وقال المنذري في الترغيب والترهيب ٢‏/‏٢٦٠ (٢٣٢٠): «رواه أحمد، ورواته مُحْتَجٌّ بهم في الصحيح إلا ميمون المرئي». وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ص٣٥٠: «بسند ضعيف». وقال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٧٦ (١٦٧٦٤): «وفيه ميمون المرئي، وثقه جماعة، وفيه ضعف، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٦‏/‏٣٧٧ (٦٠٥١-٢): «هذا إسناد رجاله ثقات». وحسّنه الألباني في الصحيحة ٥‏/‏٢٤٥ (٢٢١٠) بمتابعاته وشواهده.
١٠
عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَذكر الله بالغداة والعشي أفضلُ مِن خَطم السيوف في سبيل الله، ومِن إعطاء المال سَحًّا»١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏١٨١، من طريق أشعث، عن يعلى بن عطاء، عن عمرو بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو به. إسناده ضعيف جِدًّا؛ فيه أشعث، وهو ابن سعيد البصري أبو الربيع السمّان، قال عنه ابن حجر في التقريب (٥٢٣): «متروك».
١١
عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ أتى على سراقة بن مالك وهو يُحَدِّث أصحابه، فلمّا رأى النبيَّ أمسك، ورأى في نفسه أنّ النبيَّ أحقُّ بالمجلس، فقال له النبي ﷺ: «حدِّث، فوالذي نفسي بيده، لأن أصبر نفسي مع قوم يذكرون الله مِن صلاة الصبح حتى تطلع الشمس أحبُّ إلَيَّ مِن أن أعتق أربعة محررين»١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏١٨١-١٨٢، من طريق الحسن بن دينار، عن قتادة، عن أنس به. إسناده ضعيف جِدًّا؛ فيه الحسن بن دينار أبو سعيد التميمي، قال ابن معين وأبو داود: «ليس بشيء». وقال أبو حاتم: «متروك الحديث، كذّاب» وقال ابن عديٍّ: «أجمع من تكلّم في الرجال على ضعفه». وقال أبو خيثمة: «كذاب». وقال النسائي: «ليس بثقة، ولا يكتب حديثه». كما في لسان الميزان لابن حجر ٣‏/‏٤٣.
١٢
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَأن أجالس قومًا يذكرون الله بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس أحبُّ إلَيَّ مِن أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو يعلى في مسنده ٧‏/‏١٥٤ (٤١٢٦)، والبيهقي في الكبرى ٨‏/‏١٣٨ (١٦١٨٠) مطولًا، ويحيى بن سلام ١‏/‏١٨٢. قال النووي في الأذكار ص٨٧ (٢٤٥): «بإسناد ضعيف». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٦‏/‏٣٧٤ (٦٠٤٣): «مدار طرق حديث أنس هذا إما على مجهول، أو على يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف».

قراءات

قول واحد
١
عن أبي عبد الرحمن السلمي، وعبد الله بن عامر [اليحصبى الدمشقى المقرئ] أنهما كانا يقرآنه: «بِالغُدْوَةِ والعَشِيِّ»١٢
التخريج
  1. ١علقه ابن جرير ١٥/ ٢٣٦. وهي قراءة متواترة، وقرأ بقية العشرة: ﴿بِالغَداةِ﴾ بفتح الغين والدال وألف بعدها. انظر: الإتحاف ص ٣٦٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ جرير (١٥/ ٢٣٧) هذه القراءة مستندًا إلى اللغة، فقال: «وذلك قراءة عند أهل العلم بالعربية مكروهة؛ لأن» غُدوة «مَعْرفة، ولا ألف ولا لام فيها، وإنما يعرّف بالألف واللام ما لم يكن معرفة، فأما المعارف فلا تعرّف بهما. وبعد، فإن» غدوة «لا تضاف إلى شيء، وامتناعها من الإضافة دليل واضح على امتناع الألف واللام من الدخول عليها، لأن ما دخلته الألف واللام من الأسماء صلحت فيه الإضافة، وإنما تقول العرب: أتيتك غداة الجمعة. ولا تقول: أتيتك غُدوة الجمعة». وبنحوه ابنُ عطية (٥/ ٥٩٧). ووجَّهها ابنُ عطية بقوله: «ووجْه القراءة بذلك أنهم ألحقوها ضربًا من التنكير؛ إذ قالوا: جئت غُدوة. يريدون: الغَدوات، فحسُن دخول الألف واللام، كقولهم: الفيْنة. وفيْنة اسم معرّف». ورجَّح ابنُ جرير قراءة ﴿بالغداة﴾ مستندًا إلى الإجماع، واللغة، فقال: «والقراءة عندنا في ذلك ما عليه القرّاء في الأمصار، لا نستجيز غيرها؛ لإجماعها على ذلك، وللعلة التي بيَّنا من جهة العربية».

نزول الآية

١٢ قولًا
١
عن سلمان الفارسي، قال: نزلت هذه الآية فِيَّ وفي رجل دخل على النبي ﷺ ومعي شَنُّ١ خُوصٍ٢، فوضع يده في صدري فقال: تنح. حتى ألقاني على البساط، ثم قال: يا محمد، إنا ليمنعنا كثيرًا من أمرك هذا وضرباؤه أن ترى لي قدَمًا٣ وسُودًا٤، فلو نَحَّيتهم إذا دخلنا عليك، فإذا خرجنا أذنت لهم إذا شئت. فلما خرج أنزل الله: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ إلى قوله: ﴿وكان أمره فرطا﴾٥
التخريج
  1. ١الشن: القربة الخَلَق. لسان العرب (شنن).
  2. ٢الخُوصُ: ورق النخل. لسان العرب (خوص).
  3. ٣القَدْمُ: الشرف القديم. لسان العرب (قدم).
  4. ٤يقال: لفلان سَواد، أي: مال كثير. لسان العرب (سود).
  5. ٥عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢
عن خباب بن الأرتّ -من طريق أبي الكَنُودِ- في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ [الأنعام:٥٢]، قال: جاء عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، فوجدوا النبي ﷺ قاعدًا مع بلال، وعمار، وصهيب، وخباب بن الأرت في ناس من الضعفاء مِن المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه، فخلوا به، فقالوا: إنّا نُحِبُّ أن تجعل لنا منك نصيبًا تعرف لنا به العرب؛ فإن وفود العرب تأتيك، ونستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقِمهم، فإذا نحن فرغنا فأقعدهم إن شئت. فقال: «نعم». فقالوا: اكتب لنا كتابًا. فدعا بالصحيفة ليكتب لهم، ودعا عليًّا ليكتب لهم، ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين﴾. ثم ذكر الأقرع وصاحبه، فقال: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾. ثم ذكر، فقال: ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا﴾ [الأنعام: ٥٢-٥٤]. فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة جانبًا، فما أنسى وهو يقول: سلام عليكم. فدنونا يومئذ منه، حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا قبل ذلك، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾ يقول: مجالس الأشراف، ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾، وأما ﴿من أغفلنا قلبه﴾ فهو عيينة والأقرع بن حابس، وأما ﴿فرطًا﴾: فهلاكًا. ثم ضرب لهم مثلًا رجلين ومثل الحياة الدنيا، قال: فكُنّا نقعد مع النبي ﷺ، فإذا بلغنا الساعة التي كان يقوم فيها أقمنا وتركناه، حتى يقوم متى قام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن ماجه ٥‏/‏٢٤١-٢٤٣ (٤١٢٧)، وابن جرير ٩‏/‏٢٥٩-٢٦٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٩٧ (٧٣٣١). قال البزار في مسنده ٦‏/‏٦٩ (٢١٣٠): «هذا الحديث بهذا الكلام لا نعلم رواه إلا خبّاب، ولا نعلم له طريقًا عن خباب إلا هذا الطريق». وقال ابن كثير في تفسيره ٣‏/‏٢٦٠: «حديث غريب». وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ٤‏/‏٢١٩-٢٢٠: «إسناد صحيح... وأصله في صحيح مسلم وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص، وقد روى مسلم والنسائي والمصنّف بعضه من حديث سعد بن أبي وقاص».
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: أتى العباسَ رجالٌ من قريش، فيهم صفوان بن أمية، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، فقالوا: إنّ رسول الله قد أدنى دوننا هذه العِبِدّى١ وسفلة أصحابه، فلو كلمتَه في ذلك. فكلمه العباس في ذلك، فقال: «يا عباس، ما أحَبَّ إلَيَّ ما سرَّهم، ولكن ليس إلَيَّ من ذلك شيء». فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ إلى آخر الآية [الأنعام:٥٢]، فدعا العباس، فتلاها عليه، فأتاهم، فأبلغهم، قالوا: فكلِّمه فليجعل لنا أحد طرفي النهار، فلنجلس معه، ليس معنا منهم أحد. فذكر ذلك له العباس، فقال: «ما ذاك إلَيَّ». فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ إلى آخر الآية. فدعا العباسَ، فتلاها عليه، فرجع العباس وقد اشتد جزعه من ذلك، فأتى عليَّ بن أبي طالب، فقال: هلكت، واللهِ. وقص عليه القصة، فقال له علي: وما يعرضك للتنزيل من الله، ألم أنهك عن ذلك؟ ومالك ولهذا؟ قال: أنشدك الله -يا ابن أخي- لَما أدركتني؛ فقد هلكت، ائت رسول الله ﷺ فكلِّمه في شأني. فأتاه عليٌّ، فذكر له الذي لقي العباس، فقال رسول الله ﷺ: «إنها لم تنزل فيه، إنما نزلت في الذين بعثوه»٢
التخريج
  1. ١العِبِدّاءُ -بالمد، والقصر-: جمع العَبد، أراد: فقراء أهل الصُّفَّة. لسان العرب (عبد).
  2. ٢أخرجه اليزيدي في أماليه ص٩٢-٩٤، من طريق الحسن بن عمارة، عن عمارة بن أسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف جدًّا؛ فيه الحسن بن عمارة البجلي القاضي، قال ابن حجر في التقريب (١٢٦٤): «متروك».
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾، قال: نزلت في أمية بن خلف. وذلك أنّه دعا النبيَّ ﷺ إلى أمر كرهه الله؛ من طرد الفقراء عنهم، وتقريب صناديد أهل مكة؛ فأنزل الله: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٢٩٨، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس به. إسناده ضعيف جدًّا. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٥
عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف، قال: نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بعض أبياته: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾. فخرج يلتمسهم، فوجد قومًا يذكرون الله، منهم ثائر الرأس، وجافي الجلد، وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم، وقال: «الحمد لله الذي جعل في أمتي مَن أمرني أن أصبر نفسي معهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة ٤‏/‏١٨٢٩ (٤٦١٧)، وابن الأثير في أسد الغابة ٣‏/‏٤٥٣، وابن جرير ١٥‏/‏٢٣٨-٢٣٩. قال ابن كثير في جامع المسانيد والسنن ٥‏/‏٥١٢-٥١٣ (٦٩٤١): «وهذا لا يدل على صحبته؛ إذ قد يكون تابعيًّا قد أرسل، فأما أبوه فصحابي شهير كبير». وقال في تفسيره ٩‏/‏١٣٠: «عبد الرحمن هذا ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة، وأما أبوه فمن سادات الصحابة». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢١ (١٠٩٩٨): «رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، وقد ذكر الطبراني عبد الرحمن في الصحابة».
٦
عن ابن بريدة، قال: دخل عيينة بن حصن على النبي ﷺ في يوم حارٍّ وعنده سلمان عليه جُبَّةٌ من صوف، فثار منه ريح العرق في الصوف، فقال عيينة: يا محمد، إذا نحن أتيناك فأخرج هذا وضرباءَه من عندك، لا يؤذونا، فإذا خرجنا فأنت وهم أعلم. فأنزل الله: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه﴾ الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٧
عن قتادة بن دعامة، قال: ذُكِر لنا: أنّه لما نزلت هذه الآية قال نبي الله ﷺ: «الحمد لله الذي جعل في أمتي مَن أُمِرْتُ أن أصبر نفسي معه»١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏١٨١، وابن جرير ١٥‏/‏٢٤٠.
٨
قال قتادة بن دعامة: نزلت هذه الآية في أصحاب الصُّفَّة، وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول الله ﷺ قد لزموه، لا يرجعون إلى تجارة، ولا إلى زرع، ولا إلى ضرع، يصلون صلاة وينتظرون أخرى، فلما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: «الحمد لله الذي جعل في أمتي مَن أُمِرْتُ أن أصبر نفسي معهم»١
التخريج
  1. ١أورده الثعلبي ٦‏/‏١٦٦.
٩
عن الربيع، قال: حُدِّثنا: أنّ النبي ﷺ تَصَدّى لأمية بن خلف وهو ساهٍ غافل عما يُقال له؛ فأنزل الله: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ الآية. فرجع إلى أصحابه، وخلّى عن أمية، فوجد سلمان يذكرهم، فقال: «الحمد لله الذي لم أفارق الدنيا حتى أراني أقوامًا مِن أمتي أمرني أن أصبر نفسي معهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٧‏/‏٢٣٥٧ (١٢٧٧٦).
١٠
قال مقاتل بن سليمان: نزلت في عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو الفزاري، وذلك أنّه دخل على النبي ﷺ وعنده الموالي وفقراء العرب، منهم: بلال بن رباح المؤذن، وعمار بن ياسر، وصهيب بن سنان، وخباب بن الأرَتّ، وعامر بن فهيرة، ومهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب، وهو أول شهيد قُتِل يوم بدر رضي الله عنهم، وأيمن ابن أم أيمن، ومن العرب أبو هريرة الدوسي، وعبد الله بن مسعود الهذلي وغيرهم، وكان على بعضهم شملة قد عرق فيها، فقال عيينة بن حصن للنبي ﷺ: إن لنا شرفًا وحسبًا، فإذا دخلنا عليك فاعرف لنا ذلك؛ فأخْرِج هذا وضرباءه عنّا؛ فواللهِ، إنّه ليؤذينا ريحُه -يعني: جبته- آنفًا، فإذا خرجنا من عندك فأذن لهم إن بدا لك أن يدخلوا عليك، فاجعل لنا مجلسًا، ولهم مجلسًا. فأنزل الله عز وجل: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏٥٨٢-٥٨٣.
١١
عن عبد الملك ابن جريج، قال: نزلت: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ في عيينة بن حصن، قال للنبي ﷺ قبل أن يُسْلِم: لقد آذاني ريح سلمان الفارسي، فاجعل لنا مجلسًا معك لا يجامعنا فيه، واجعل لهم مجلسًا منك لا نجامعهم. فنزلت١٢
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي في تفسيره ص١٢٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٥/٥٩٧) أن الآية على هذا القول مدنية، ثم قال: «ويشبه أن تكون الآية مكية، وفَعل المؤلفةُ فِعل قريش، فرد بالآية عليهم».
١٢
قال يحيى بن سلام: نزلت في سلمان الفارسي، وبلال، وصهيب، وخباب بن الأرتّ، وسالم مولى أبي حذيفة، قال المشركون للنبي: إن أردت أن نُجالِسك فاطرد عنّا هؤلاء القوم. فأنزل الله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ [الأنعام:٥٢]١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏١٨١.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في النزول؛ أكان في أشراف مكة، أم في عيينة بن حصن وأصحابه؟ ورجَّح ابنُ عطية (٥/٥٩٦) القول الأول مستندًا لزمن النزول، فقال: «والأول أصوب؛ لأن السورة مكية».
التفسير بالمأثور لسورة الكهف كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٨ من سورة الكهف

٨٧ وقفةً في هذه الآية

  • (يريدون وجه الله)(يريدون وجهه) لم تتشعب إرادتهم في كل وادٍ،،هي نفوس صافية إرادتها واحدة،،

    — وليد العاصمي

  • (ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا) الصديق الصالح من إذا صاحبته تعلقتَ بالآخرة.

    — تأملات قرآنية

  • [ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ] الصحبة الصالحة عليك بها ، وحتى لو أرهقك نهجهم ومحاسبتهم لأفعالهم، فما عند الله لا ينال بالتمني

    — مها العنزي

  • إذا عاشرت مؤمنا فابقِ له المودة والاحترام .. وتغاض عن هفواته .. فإن ذلك من الصبر الجميل .. { واصبر نفسك مع اللذين يدعون ربهم ..)

    — نايف الفيصل

  • "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم" لا يكن معيار علاقاتك الميل النفسي .. والارتياح العاطفي .. هناك علاقات غير مريحة .. تدخلك الجنة

    — علي الفيفي

  • (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) الفلاح ليس بمصاحبة أصحاب المناصب والأموال إنما برفقة الذين يريدون وجه الله.

    — فوائد القرآن

  • واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي" والصبر هنا على طاعة الله ، وهو أعلى أنواع الصبر، وبتمامه تتم باقي الأقسام.

    — تفسير السعدي

  • صديق الإنسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه . النووي شرح مسلم وأصل كلامه: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم "

    — ابو حمزة الكناني

  • ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) أمر الله نبيه بالمصابرة في جلوسه مع المخلصين إذ أنهم لا يذكرون الدنيا. .

    — عقيل الشمري

  • ﴿واصبر نفسك ﴾ ليست العبادات باليسيرة على النفس، عليك أن تُعلمها الصبر على الطاعة وعلى ترك المعاصي لتنج وتُفلح

    — تأملات قرآنية

  • واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم" قال عليه السلام ( الرجل على دين خليله؛ فلينظر أحدُكم من يخالل )

    — فوائد القرآن

  • ﴿ وَاصْبِر نفسَكَ معَ الَّذِي يَدْعُون ربَّهُم ﴾ حتّى صُحبة الصّالحين ؛ تحتاج لصبر فـ ﴿ لا تعْدُ عيناك عنهُم ﴾

    — تأملات قرآنية

و٧٥ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٢٨ من سورة الكهف

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢٨ من سورة الكهف

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(28) And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.[787]
[787]- Or "in excess," exceeding the limits of Allāh.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال