البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
و﴿ما شاء الله﴾ : خبر، أي : هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حُذف الخبر، أي : الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أيْ : أيّ شيء شاء الله كان.
﴿ولولا إِذْ دخلتَ جنتك﴾ : بستانك، ﴿قلتَ ما شاء الله﴾ أي : هلاَّ قُلتَ عند دخولها :﴿ما شاء الله﴾ أي : الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد : تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، ﴿لا قوة إِلا بالله﴾ أي : لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره.
قال النبي صلى الله عليه وسلم :" مَنْ رَأَى شَيْئًا فأعْجَبه فَقَالَ : مَا شَاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بالله، لَمْ يضُرّهُ شَيءٌ " (١) وقال لأبي هريرة :" أَلاَ أَدُلُك عَلى كَلِمَةٍ مِن كُنُوزِ الْجَنَّة " ؟ قَال بَلَى يا رسُول الله، قال :" لاَ قوةَ إلاَّ بالله، إن قالها العبد قال اللهُ عَزّ وجلّ : أسْلم عبدي واسْتَسْلم " (٢) وقال لعبْدِ اللهِ بْنَ قَيْسٍ :" ألاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَِّةِ " ؟ قال : بَلَى، يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ :" لاَ حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ بالله " (٣).
ثم قال له أخوه المسلم :﴿إِن ترنِ أنا أقلَّ منك مالاً وولدًا﴾ في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد ضرب الله مثلاً لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدَّم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول : الندم والخسران، وعاقبة الثاني : الهنا والرضوان، أوْ لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه.
قال في لطائف المنن : لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذِل، فأخبر الله عنه بقوله :﴿ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدًا...﴾ الآية. ولكن ادخلها كما بيّن لك، وقل كما رَضي لك :﴿ولولا إِذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلاّ بالله﴾، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم :" لا حَوْلَ ولاَ قُوَّةَ إلاَّ بالله كَنْزٌ من كُنُوزِ الجنة " (١). وفي رواية أخرى :" كنز من كنوز تحت العرش ". فالترجمة : ظاهر الكنز، والمكنوز فيها : صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته.


١ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان حديث ٤٣٧٠..
٢ أخرجه أحمد في المسند ٢/٢٩٨..
٣ أخرجه البخاري في المغازي باب ٣٨، والدعوات باب ٥١، ٦٨، والقدر باب ٧، ومسلم في الذكر حديث ٤٤، ٤٥، ٤٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى