الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
وقوله :﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ [الكهف: ٣٩].
وصيَّةٌ من المؤمن للكافر، ﴿وَلَوْلاَ﴾ : تحضيض بمعنى «هلا »، و﴿مَا﴾ تحتمل أن تكون بمعنى «الذي » بتقدير : الذي شاء الله كائنٌ، وفي ﴿شَاءَ﴾ ضميرٌ عائد على «ما »، ويحتمل أن تكون شرطيةً بتقدير : ما شَاءَ اللَّهُ كَانَ، أو خبرَ مبتدأ محذوفٍ، تقديره : هو ما شاء اللَّهُ، أو الأمر ما شاء اللَّه.
وقوله :﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ : تسليمٌ، وضدٌّ لقول الكافِرِ :﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ [الكهف: ٣٥]، وفي الحديثِ : أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ، إِذَا قَالَهَا العَبْدُ، قَالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ :( أَسْلَمَ عَبْدِيَ واستسلم ).
قال النوويُّ : ورُوِّينا في «سنن أبي داود والترمذيِّ والنسائي » وغيرهما، عن أنس قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :( مَنْ قَالَ يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتهِ باسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، يُقَالُ لَهُ : هُدِيتَ، وَكُفِيت، وَوُقِيتَ، وتَنَحَّى عَنْكَ الشِّيْطان ) قال الترمذيُّ : حديث حسن، زاد أبو داود في روايته :( فَيَقُولُ : يَعْني الشِّيْطَانَ لِشَيْطَانٍ آخَرَ كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِي ) انتهى.
وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة، قال : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( أكْثِرْ مِنْ قَوْلَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ فإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ ) انتهى.
قال المحاسبيُّ في «رعايته » : وإِذا عزم العْبدُ في القيامِ بجميعِ حقوق اللَّه سبحانَهُ، فليرغَبْ إِليه في المَعُونَةِ مِنْ عِنْدِه على أداء حقوقه، ورعايتها، وناجاه بقَلْب راغِبٍ راهبٍ ؛ أني أَنْسَى إِن لم تذكِّرني، وأعْجِزُ أُنْ لم تُقَوِّني، وأجْزَعُ إِنْ لم تصِّبرني، وعَزَم وتوكَّل، واستغاث واستعان، وتبرَّأ من الحَوْل والقوَّة إِلا بربِّه، وقطع رجاءه مِنْ نفسه، ووَجَّه رجاءه كلَّه إِلى خالقه، فإِنه سيجدُ اللَّه عزَّ وجلَّ قريباً مجيباً متفضِّلاً متحِّنناً. انتهى.
قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه » قال مالكٌ : ينبغي لكلِّ مَنْ دَخَل منزله أنْ يقول كما قال اللَّه تعالى :﴿مَا شَاءَ الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ انتهى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى