اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ الآية.
أي : واضرب، يا محمد، لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم، وأنصارهم على فقراء المسلمين ﴿مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ ثم ذكر المثل فقال :﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾.
قوله :﴿كَمَآءٍ﴾ : فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون خبر مبتدأ محذوف، فقدَّره ابن عطيَّة هي، أي : الحياة الدنيا.
والثاني : أنه متعلق بمعنى المصدر، أي : ضرباً كماء، قاله الحوفيُّ. وهذا بناء منهما على أن " ضرب " هذه متعدية لواحدٍ فقط.
والثالث : أنه في موضع المفعول الثاني ل " اضْرِبْ " لأنها بمعنى " صَيِّرْ " وقد تقدم.
قال أبو حيان بعدما نقل قولي ابن عطيَّة والحوفيِّ :" وأقول : إنَّ " كماءٍ " في موضع المفعول الثاني لقوله " واضْرِبْ "، أي : وصيِّر لهم مثل الحياة، أي : صفتها شبه ماء ". قال شهاب الدين : وهذا قد سبقه إليه أبو البقاء(١).
و " أنْزَلنَاهُ " صفة ل " مَاءٍ ".
قوله :" فاخْتلَطَ به " يجوز في هذه الباء وجهان :
أحدهما : أن تكون سببية.
الثاني : أن تكون متعدِّية، قال الزمخشري :" فالتفَّ بسببه، وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً، وقيل : تجمع الماء في النبات ؛ حتى روي ورَفَّ رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير : فاختلط بنباتِ الأرض، ووجه صحته : أنَّ كلَّ مختلطين موصوف كل واحدٍ منهما بصفةِ الآخر ".
قوله :﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ " أصْبَحَ " يجوز أن تكون على بابها ؛ فإنَّ أكثر ما يطرقُ من الآفاتِ صباحاً ؛ كقوله :﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢] ويجوز أن تكون بمعنى " صار " من غير تقييدٍ بصباحٍ ؛ كقوله :[ المنسرح ]
والهشيمُ : واحده هشيمة، وهو اليابس، وقال الزجاج(٣) وابن قتيبة : كل ما كان رطباً، فيَبِسَ، ومنه ﴿كَهَشِيمِ المحتظر﴾ [القمر: ٣١] ومنه : هشمتُ الفتَّ والهشيم : المتفتِّت المتكسِّر، ومنه هشمت أنفه، وهشَمَ الثَّريدَ : إذا فتَّه.
قال :[ الكامل ]
قوله :" تَذرُوهُ " صفة ل " هَشِيماً " والذَّرْوُ : التفريق، وقيل : الرفع.
والعامة " تَذْروهُ " بالواو، وقرأ(٥) عبد الله " تَذْريه " من الذَّري، ففي لامه لغتان : الواو والياء، وقرأ ابن عبَّاس " تُذْريهِ " بضمِّ التاء من الإذراءِ، وهذه تحتمل أن تكون من الذَّرْوِ، وأن تكون من الذَّري، والعامة على " الرَّياحِ " جمعاً، وزيد بن عليِّ، و الحسنُ، والنخعيُّ في آخرين " الرِّيحُ " بالإفراد.
و " مَثَل " معنى المثل، قال ابن عباسٍ : يعني بالماءِ المطر، نزل من السماء ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ خرج من كل لون وزهرة، " فأصْبحَ " عن قريب " هَشِيماً " يابساً(٦).
وقال الضحاك : كسيراً.
" تَذْروهُ الرِّياحُ " (٧) :
قال ابن عباس : تذريه(٨).
وقال أبو عبيدة : تفرّقه(٩).
وقال القتبي : تنسفه(١٠).
قوله :﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ قادراً بتكوينه أولاً، وتنميته وسطاً، وإبطاله آخراً، فأحوال الدنيا كذلك تظهرُ أولاً في غاية الحسن والنَّضارة، ثم تتزايد قليلاً قليلاً، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء والذَّهاب، ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به.
أي : واضرب، يا محمد، لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم، وأنصارهم على فقراء المسلمين ﴿مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ ثم ذكر المثل فقال :﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾.
قوله :﴿كَمَآءٍ﴾ : فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون خبر مبتدأ محذوف، فقدَّره ابن عطيَّة هي، أي : الحياة الدنيا.
والثاني : أنه متعلق بمعنى المصدر، أي : ضرباً كماء، قاله الحوفيُّ. وهذا بناء منهما على أن " ضرب " هذه متعدية لواحدٍ فقط.
والثالث : أنه في موضع المفعول الثاني ل " اضْرِبْ " لأنها بمعنى " صَيِّرْ " وقد تقدم.
قال أبو حيان بعدما نقل قولي ابن عطيَّة والحوفيِّ :" وأقول : إنَّ " كماءٍ " في موضع المفعول الثاني لقوله " واضْرِبْ "، أي : وصيِّر لهم مثل الحياة، أي : صفتها شبه ماء ". قال شهاب الدين : وهذا قد سبقه إليه أبو البقاء(١).
و " أنْزَلنَاهُ " صفة ل " مَاءٍ ".
قوله :" فاخْتلَطَ به " يجوز في هذه الباء وجهان :
أحدهما : أن تكون سببية.
الثاني : أن تكون متعدِّية، قال الزمخشري :" فالتفَّ بسببه، وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً، وقيل : تجمع الماء في النبات ؛ حتى روي ورَفَّ رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير : فاختلط بنباتِ الأرض، ووجه صحته : أنَّ كلَّ مختلطين موصوف كل واحدٍ منهما بصفةِ الآخر ".
قوله :﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ " أصْبَحَ " يجوز أن تكون على بابها ؛ فإنَّ أكثر ما يطرقُ من الآفاتِ صباحاً ؛ كقوله :﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢] ويجوز أن تكون بمعنى " صار " من غير تقييدٍ بصباحٍ ؛ كقوله :[ المنسرح ]
| أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولاَ | أمْلِكُ رَأسَ البعيرِ إنْ نَفرَا(٢) |
قال :[ الكامل ]
| عَمْرُو الَّذي هَشمَ الثَّريدَ لقَومهِ | ورِجَالُ مَكَّةَ مُسنتُونَ عِجَاف(٤) |
والعامة " تَذْروهُ " بالواو، وقرأ(٥) عبد الله " تَذْريه " من الذَّري، ففي لامه لغتان : الواو والياء، وقرأ ابن عبَّاس " تُذْريهِ " بضمِّ التاء من الإذراءِ، وهذه تحتمل أن تكون من الذَّرْوِ، وأن تكون من الذَّري، والعامة على " الرَّياحِ " جمعاً، وزيد بن عليِّ، و الحسنُ، والنخعيُّ في آخرين " الرِّيحُ " بالإفراد.
فصل في معنى ألفاظ الآية
و " مَثَل " معنى المثل، قال ابن عباسٍ : يعني بالماءِ المطر، نزل من السماء ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ خرج من كل لون وزهرة، " فأصْبحَ " عن قريب " هَشِيماً " يابساً(٦).
وقال الضحاك : كسيراً.
" تَذْروهُ الرِّياحُ " (٧) :
قال ابن عباس : تذريه(٨).
وقال أبو عبيدة : تفرّقه(٩).
وقال القتبي : تنسفه(١٠).
قوله :﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ قادراً بتكوينه أولاً، وتنميته وسطاً، وإبطاله آخراً، فأحوال الدنيا كذلك تظهرُ أولاً في غاية الحسن والنَّضارة، ثم تتزايد قليلاً قليلاً، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء والذَّهاب، ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به.
فصل في حسن ترتيب الآيات
١ ينظر: الإملاء ٢/١٠٤..
٢ تقدم..
٣ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٣/٢٩١..
٤ البيت لمطرود بن كعب الخزاعي، ينظر: الاشتقاق ص ١٣ وأمالي المرتضى ٢/٢٦٨، معجم الشعراء ص ٢٠٠، ولعبد الله بن الزبعرى في أمالي المرتضى ٢/٢٦٩، ولسان العرب "سنت"، "هشم"، المقاصد النحوية ٤/١٤٠، الإنصاف ٢/٦٦٣، خزانة الأدب ١١/٣٦٧، رصف المباني ص ٣٥٨، وسر صناعة الإعراب ٢/٥٣٥، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٨٩، وشرح المفصل ٩/٣٦، والمقتضب ٢/٣١٢، المنصف ٢/٢٣١..
٥ ينظر في قراءتها: الشواذ ٨٠، والقرطبي ١/٢٦٨، والبحر ٦/١٢٦، والدر المصون ٤/٤٦١..
٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٦٤)..
٧ ينظر: المصدر السابق..
٨ ينظر : البغوي (٣/١٦٤)..
٩ ينظر : المصدر السابق..
١٠ ينظر: المصدر السابق..
٢ تقدم..
٣ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٣/٢٩١..
٤ البيت لمطرود بن كعب الخزاعي، ينظر: الاشتقاق ص ١٣ وأمالي المرتضى ٢/٢٦٨، معجم الشعراء ص ٢٠٠، ولعبد الله بن الزبعرى في أمالي المرتضى ٢/٢٦٩، ولسان العرب "سنت"، "هشم"، المقاصد النحوية ٤/١٤٠، الإنصاف ٢/٦٦٣، خزانة الأدب ١١/٣٦٧، رصف المباني ص ٣٥٨، وسر صناعة الإعراب ٢/٥٣٥، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٨٩، وشرح المفصل ٩/٣٦، والمقتضب ٢/٣١٢، المنصف ٢/٢٣١..
٥ ينظر في قراءتها: الشواذ ٨٠، والقرطبي ١/٢٦٨، والبحر ٦/١٢٦، والدر المصون ٤/٤٦١..
٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٦٤)..
٧ ينظر: المصدر السابق..
٨ ينظر : البغوي (٣/١٦٤)..
٩ ينظر : المصدر السابق..
١٠ ينظر: المصدر السابق..