فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
ثم ضرب سبحانه مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال :﴿واضرب لَهُم مَثَلَ الحياة الدنيا﴾ أي : اذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا في حسنها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يركنوا إليها، وقد تقدّم هذا المثل في سورة يونس، ثم بيّن سبحانه هذا المثل فقال :﴿كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء﴾ ويجوز أن يكون هذا هو المفعول الثاني ﴿لقوله﴾ اضرب على جعله بمعنى : صير ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ أي : اختلط بالماء نبات الأرض حتى استوى ؛ وقيل : المعنى إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء، لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر، فتكون الباء في ﴿به﴾ سببية ﴿فَأَصْبَحَ﴾ النبات ﴿هَشِيمًا﴾ الهشيم : الكسير، وهو من النبات ما تكسر بسبب انقطاع الماء عنه وتفتت، ورجل هشيم : ضعيف البدن، وتهشم عليه فلان : إذا تعطف. واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه، وهشم الثريد كسره وثرده، ومنه قول ابن الزبعري :
﴿تَذْرُوهُ الرياح﴾ تفرقه. قال أبو عبيدة وابن قتيبة : تذروه : تنسفه. وقال ابن كيسان : تذهب به وتجيء، والمعنى متقارب. وقرأ طلحة بن مصرّف ( تذريه الريح ) قال الكسائي : وفي قراءة عبد الله ( تذريه ) يقال : ذرته الريح تذروه، وأذرته تذريه. وحكى الفراء : أذريت الرجل عن فرسه أي : قلبته ﴿وَكَانَ الله على كُلّ شَيء مُقْتَدِرًا﴾ أي : على كل شيء من الأشياء يحييه ويفنيه بقدرته لا يعجز عن شيء.
| عمرو الذي هشم الثريد لقومه | ورجال مكة مسنتون عجاف |