محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
ثم أشار تعالى إلى سرعة فناء ما يتمتعون به من الدنيا، ويختالون به بقوله سبحانه :
﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ( ٤٥ )﴾.
﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي اذكر لهم ما تشبهه في زهرتها وسرعة زوالها ﴿كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ أي فالتف بسببه وتكاثف، حتى خالط بعضه بعضا فشب وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة ﴿فأصبح﴾ أي بعد ذلك الزهو ﴿هشيما﴾ أي جافا يابسا مكسورا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أي تفرقه وتنسفه ذات اليمين وذات الشمال كأن لم يكن، وهكذا حال الدنيا وحال مجرميها ؛ فإن ما نالهم من شرف الحياة كالذي حصل للنبات من شرف النمو. ثم يزولون زوال النبات ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ أي على كل شيء من الإنشاء والإفناء كامل القدرة. ولما كان هذا المثل للحياة الدنيا من أبهج المثل وأبدعها، ضرب كثيرا في التنزيل، كقوله تعالى في سورة يونس :﴿إنما مثل الحياة الدنيا كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام...﴾ الآية. وفي الزمر :﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه...﴾ الآية. وفي الحديد :﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد، كمثل غيث أعجب الكفار نباته...﴾ الآية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى