الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ :" إذ " منصوبٌ ب اذكر، أو وقتَ قال لفتاه جرى ما قَصَصْنا عليك مِنْ خبرِه.
قوله :" لا أَبْرَحُ " يجوز فيه وجهان، أحدُهما : أَنْ تكونَ ناقصةً فتحتاجَ إلى خبر. والثاني : أن تكونَ تامةً فلا تحتاج إليه. فإن كانَتِ الناقصةَ ففيها تخريجان، أحدُهما : أن يكونَ الخبرُ محذوفاً للدلالةِ عليه تقديرُه : لا أبرحُ أسيرُ حتى أبلغَ، إلا انَّ حَذْفَ الخبرِ في هذا البابِ نَصَّ بعضُ النَّحْويين على أنه لا يجوزُ ولو بدليلٍ، إلا في ضرورة كقوله :
أي : حين ليس في الدنيا مُجير. والثاني : أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه : لا يَبْرَحُ مسيري حتى أبلغَ، ثم حذف " مسير " وأقيمت الياء مُقامَه، فانقلبَتْ مرفوعةً مستترة بعد أن كانت مخفوضةَ المحلِّ بارزةً، وبقي " حتى أَبْلُغَ " على حالِه هو الخبر.
وقد خَلَطَ الزمخشريُّ هذين الوجهين فجَعَلَهما وجهاً واحداً، ولكنْ في عبارةٍ حسنةٍ جداً، فقال :" فإن قلت " " لا أبرح " إن كان بمعنى " لا أَزُوْل " مِنْ بَرِح المكانَ فقد دلَّ على الإِقامة لا على السفر. وإن كان بمعنى " لا أزال " فلا بُدَّ من خبر. قلت : هي بمعنى لا أزال، وقد حُذِفَ الخبرُ لأنَّ الحالَ والكلامَ معاً يَدُلاَّن عليه : أمَّا الحالُ فلأنها كانت حالَ سَفَرٍ، وأمَّا الكلامُ فإنَّ قولَه " حتى أَبْلُغَ " غايةٌ مضروبةٌ تَسْتدعي ما هي غايةٌ له، فلا بد أن يكون المعنى :[ لا أبرح أسير حتى أبلغَ. ووجهٌ آخرُ وهو أَنْ يكونَ المعنى :] لا يبرح مسيري حتى أبلغَ على أنَّ " حتى أبلغَ " هو الخبرُ، فلمَّا حُذِفَ المضافُ أُقيم المضافُ إليه مُقامه وهو ضميرُ المتكلم، فانقلب الفعلُ مِنْ ضمير الغائبِ إلى لفظِ المتكلم وهو وجهٌ لطيفٌ ".
قلت : وهذا على حُسْنِه فيه نظرٌ لا يخفى وهو : خلوُّ الجملةِ الواقعةِ خبراً عن " مسيري " في الأصل مِنْ رابط يَرْبِطُها به. ألا ترى أنه ليس في قوله " حتى أبلغ " ضميرٌ يعودُ على " مَسيري " إنما يعودُ على المضافِ إليه المستتر، ومِثْلُ ذلك لا/ يُكتفى به.
ويمكن أَنْ يُجابَ عنه : بانَّ العائدَ محذوفٌ، تقديرُه حتى أبلغَ به، أي : بمسيري.
وإن كانت التامةَ كان المعنى : لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى ألزمُ المسيرَ والطَّلَبَ، ولا أفارقه ولا أتركه، حتى أبلغَ، كما تقول : لا أبرحُ المكانَ. قلت : فعلى هذا يُحتاجُ أيضاً إلى حَذْفِ مفعولٍ به كما تقدَّمَ تقريرُه، فالحذفُ لا بُدَّ منه على تقديرَيْ التمامِ والنقصانِ في أحدِ وجهَيْ النقصان.
وقرأ العامَّة " مَجْمَعَ " بفتح الميمِ وهو مكانُ الاجتماع، وقيل : مصدر. وقرأ الضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسار بكسرها، وهو شاذ، لفتحِ عينِ مضارعِه.
قوله :" حُقُبا " منصوبٌ على الظرفِ وهو بمعنى الدهر. وقيل : ثمانون سنة. وقيل : سنةٌ واحدة بلغة قريش. وقيل : سبعون. وقرأ الحسن. " حُقْباً " بإسكان القاف فيجوزُ أَنْ يكونَ تخفيفاً، وأن يكونَ لغةً مستقلة. ويُجمع على " أَحْقاب " كعُنُق وأَعْناق. وفي معناه الحِقْبَةُ بالكسر. قال امرؤ القيس :
والحُقْبَة بالضمِّ أيضاً. وتُجمع الأُولى على حِقَب بكسر الحاء كقِرَب، والثانيةُ على حُقَب بضمِّها كقُرَب.
وقوله :" أو أَمْضِيَ " فيه وجهان، أظهرُهما : أنَّه منسوقٌ على " أَبْلُغَ " يعني بأحد أمرين : إمَّا ببلوغِه المَجْمَعَ، أو بمضيِّه حُقُباً. والثاني : انه تَغْيِيَةٌ لقوله لا أَبْرَحُ، فيكون منصوباً بإضمارِ، " أَنْ " بعد " أو " بمعنى " إلى " نحو " لأَلْزَمَنَّكَ أو تقضيَني حقي ".
قال الشيخ :" فالمعنى : لا أبرحُ حتى أبلغَ مَجْمَعَ البحرَيْنِ، إلى أن اَمْضِيَ زماناً أتيقَّنُ معه فواتَ مجمعِ البحرَيْن " قلت : فيكونُ الفعلُ المنفيُّ قد غُيِّيَ بغايَتْين مكاناً وزماناً، فلا بُدَّ من حصولهِما معاً نحو :" لأسيرَنَّ إلى بيتِك إلى الظهر " فلا بُدَّ من حصولِ الغايتين. والمعنى الذي ذكره الشيخُ يقتضي أنه يمضي زماناً يتيقَّنُ فيه فواتَ مجمعِ البحرين.
وجَعَلَ أبو البقاء " أو " هنا بمعنى " إلاَّ " في أحدِ الوجهين، قال :" والثاني : أنَّها بمعنى : إلا أَنْ اَمْضِيَ زماناً أتيقَّنُ معه فواَ مجمعِ البحرين ". وهذا الذي ذكره أبو البقاء معنىً صحيحٌ، فأخذ الشيخ هذا المعنى، رَكَّبه مع القولِ بأنها بمعنى " إلى " المقتضيةِ للغايةِ، فمِنْ ثَمَّ جاء الإِشكالُ.
قوله :" لا أَبْرَحُ " يجوز فيه وجهان، أحدُهما : أَنْ تكونَ ناقصةً فتحتاجَ إلى خبر. والثاني : أن تكونَ تامةً فلا تحتاج إليه. فإن كانَتِ الناقصةَ ففيها تخريجان، أحدُهما : أن يكونَ الخبرُ محذوفاً للدلالةِ عليه تقديرُه : لا أبرحُ أسيرُ حتى أبلغَ، إلا انَّ حَذْفَ الخبرِ في هذا البابِ نَصَّ بعضُ النَّحْويين على أنه لا يجوزُ ولو بدليلٍ، إلا في ضرورة كقوله :
| لَهَفي عليكَ للِهْفَةٍ مِنْ خائفٍ | يَبْغي جوارَك حينَ ليس مُجِيْرُ |
وقد خَلَطَ الزمخشريُّ هذين الوجهين فجَعَلَهما وجهاً واحداً، ولكنْ في عبارةٍ حسنةٍ جداً، فقال :" فإن قلت " " لا أبرح " إن كان بمعنى " لا أَزُوْل " مِنْ بَرِح المكانَ فقد دلَّ على الإِقامة لا على السفر. وإن كان بمعنى " لا أزال " فلا بُدَّ من خبر. قلت : هي بمعنى لا أزال، وقد حُذِفَ الخبرُ لأنَّ الحالَ والكلامَ معاً يَدُلاَّن عليه : أمَّا الحالُ فلأنها كانت حالَ سَفَرٍ، وأمَّا الكلامُ فإنَّ قولَه " حتى أَبْلُغَ " غايةٌ مضروبةٌ تَسْتدعي ما هي غايةٌ له، فلا بد أن يكون المعنى :[ لا أبرح أسير حتى أبلغَ. ووجهٌ آخرُ وهو أَنْ يكونَ المعنى :] لا يبرح مسيري حتى أبلغَ على أنَّ " حتى أبلغَ " هو الخبرُ، فلمَّا حُذِفَ المضافُ أُقيم المضافُ إليه مُقامه وهو ضميرُ المتكلم، فانقلب الفعلُ مِنْ ضمير الغائبِ إلى لفظِ المتكلم وهو وجهٌ لطيفٌ ".
قلت : وهذا على حُسْنِه فيه نظرٌ لا يخفى وهو : خلوُّ الجملةِ الواقعةِ خبراً عن " مسيري " في الأصل مِنْ رابط يَرْبِطُها به. ألا ترى أنه ليس في قوله " حتى أبلغ " ضميرٌ يعودُ على " مَسيري " إنما يعودُ على المضافِ إليه المستتر، ومِثْلُ ذلك لا/ يُكتفى به.
ويمكن أَنْ يُجابَ عنه : بانَّ العائدَ محذوفٌ، تقديرُه حتى أبلغَ به، أي : بمسيري.
وإن كانت التامةَ كان المعنى : لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى ألزمُ المسيرَ والطَّلَبَ، ولا أفارقه ولا أتركه، حتى أبلغَ، كما تقول : لا أبرحُ المكانَ. قلت : فعلى هذا يُحتاجُ أيضاً إلى حَذْفِ مفعولٍ به كما تقدَّمَ تقريرُه، فالحذفُ لا بُدَّ منه على تقديرَيْ التمامِ والنقصانِ في أحدِ وجهَيْ النقصان.
وقرأ العامَّة " مَجْمَعَ " بفتح الميمِ وهو مكانُ الاجتماع، وقيل : مصدر. وقرأ الضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسار بكسرها، وهو شاذ، لفتحِ عينِ مضارعِه.
قوله :" حُقُبا " منصوبٌ على الظرفِ وهو بمعنى الدهر. وقيل : ثمانون سنة. وقيل : سنةٌ واحدة بلغة قريش. وقيل : سبعون. وقرأ الحسن. " حُقْباً " بإسكان القاف فيجوزُ أَنْ يكونَ تخفيفاً، وأن يكونَ لغةً مستقلة. ويُجمع على " أَحْقاب " كعُنُق وأَعْناق. وفي معناه الحِقْبَةُ بالكسر. قال امرؤ القيس :
| فإنْ تَنْأَ عنها حَقْبَةً لا تُلاقِها | فإنَّك ممَّا أَحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ |
وقوله :" أو أَمْضِيَ " فيه وجهان، أظهرُهما : أنَّه منسوقٌ على " أَبْلُغَ " يعني بأحد أمرين : إمَّا ببلوغِه المَجْمَعَ، أو بمضيِّه حُقُباً. والثاني : انه تَغْيِيَةٌ لقوله لا أَبْرَحُ، فيكون منصوباً بإضمارِ، " أَنْ " بعد " أو " بمعنى " إلى " نحو " لأَلْزَمَنَّكَ أو تقضيَني حقي ".
قال الشيخ :" فالمعنى : لا أبرحُ حتى أبلغَ مَجْمَعَ البحرَيْنِ، إلى أن اَمْضِيَ زماناً أتيقَّنُ معه فواتَ مجمعِ البحرَيْن " قلت : فيكونُ الفعلُ المنفيُّ قد غُيِّيَ بغايَتْين مكاناً وزماناً، فلا بُدَّ من حصولهِما معاً نحو :" لأسيرَنَّ إلى بيتِك إلى الظهر " فلا بُدَّ من حصولِ الغايتين. والمعنى الذي ذكره الشيخُ يقتضي أنه يمضي زماناً يتيقَّنُ فيه فواتَ مجمعِ البحرين.
وجَعَلَ أبو البقاء " أو " هنا بمعنى " إلاَّ " في أحدِ الوجهين، قال :" والثاني : أنَّها بمعنى : إلا أَنْ اَمْضِيَ زماناً أتيقَّنُ معه فواَ مجمعِ البحرين ". وهذا الذي ذكره أبو البقاء معنىً صحيحٌ، فأخذ الشيخ هذا المعنى، رَكَّبه مع القولِ بأنها بمعنى " إلى " المقتضيةِ للغايةِ، فمِنْ ثَمَّ جاء الإِشكالُ.