زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ. . .﴾، الآية، سبب خروج موسى عليه السلام في هذا السفر، ما روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال : إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل : أي الناس أعلم ؟ فقال : أنا، فعتب الله عز وجل عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك ؛ قال موسى : يا رب فكيف لي به ؟ قال : تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم. فانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة، وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق. فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه : آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً، قال : ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، فقال فتاه :﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا﴾ إلى قوله :﴿عَجَبًا﴾، قال : فكان للحوت سربا، ولموسى ولفتاه عجباً، فقال موسى :﴿ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قال : رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا هو مسجى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام ! من أنت ؟ قال : أنا موسى، قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً، قال : إنك لن تستطيع معي صبراً يا موسى، إني على علم من علم الله لا تعلمه علمنيه، وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه ؛ فقال موسى : ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ؛ فقال له الخضر : فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ؛ فانطلقا يمشيان على الساحل، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول ؛ فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى : قوم قد حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ إلى قوله :﴿عُسْراً﴾ ؟ ! قال : وقال رسول الله ﷺ :" كانت الأولى من موسى نسيانا " ً قال :" وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر : ما علمي وعلمك من علم الله عز وجل إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله، فقال له موسى :﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زكية﴾ إلى قوله :﴿يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ فقال الخضر بيده، فأقامه، فقال موسى : قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ !﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ. . .﴾ الآية ". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في " الصحيحين "، وقد ذكرنا إسناده في كتاب " الحدائق " فآثرنا الاختصار هاهنا.
فأما التفسير، فقوله تعالى :﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ المعنى : واذكر ذلك. وفي موسى قولان :
أحدهما : أنه موسى بن عمران، قاله الأكثرون. ويدل عليه ما روي في " الصحيحين " من حديث سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى نبي إسرائيل هو موسى صاحب الخضر، قال : كذب عدو الله، أخبرني أبي بن كعب. . . فذكر الحديث الذي قدمناه آنفاً.
والثاني : أنه موسى بن ميشا، قاله ابن إسحاق، وليس بشيء، للحديث الصحيح الذي ذكرناه. فأما فتاه فهو يوشع بن نون من غير خلاف. وإنما سمي فتاه، لأنه كان يلازمه، ويأخذ عنه العلم، ويخدمه.
ومعنى ﴿لا أَبْرَحُ﴾ : لا أزال. وليس المراد به : لا أزول، لأنه إذا لم يزل لم يقطع أرضاً، فهو مثل قولك : ما برحت أناظر عبد الله، أي : ما زلت، قال الشاعر :
أي :
أثقلتك، والمعنى : لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، أي : ملتقاهما، وهو الموضع الذي وعده الله بلقاء الخضر فيه، قال قتادة : بحر فارس، وبحر الروم، فبحر الروم نحو المغرب، وبحر فارس نحو المشرق.
وفي اسم البلد الذي بمجمع البحرين قولان :
أحدهما : إفريقية، قاله أبي بن كعب.
والثاني : طنجة، قاله محمد بن كعب القرظي.
قوله تعالى :﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ وقرأ أبو رزين، والحسن، وأبو مجلز، وقتادة، والجحدري، وابن يعمر :" حقباً " بإسكان الكاف. قال ابن قتيبة : الحقب : الدهر، والحقب : السنون، واحدتها حقبة، ويقال : حقب وحقب، كما يقال : قفل وقفل، وهزؤ وهزؤ، وكفؤ وكفؤ، وأكل وأكل، وسحت وسحت، ورعب ورعب، ونكر ونكر، وأذن وأذن، وسحق وسحق، وبعد وبعد، وشغل وشغل، وثلث وثلث، وعذر وعذر، ونذر ونذر، وعمر وعمر.
وللمفسرين في المراد بالحقب هاهنا ثمانية أقوال :
أحدها : أنه الدهر، قاله ابن عباس.
والثاني : ثمانون سنة، قاله عبد الله ابن عمرو، وأبو هريرة.
والثالث : سبعون ألف سنة، قاله الحسن.
والرابع : سبعون سنة، قاله مجاهد.
والخامس : سبعة عشر ألف سنة، قاله مقاتل بن حيان.
والسادس : أنه ثمانون ألف سنة، كل يوم ألف سنة من عدد الدنيا.
والسابع : أنه سنة بلغة قيس، ذكرهما الفراء.
والثامن : الحقب عند العرب وقت غير محدود، قاله أبو عبيدة. ومعنى الكلام : لا أزال أسير، ولو احتجت أن أسير حقبا.
فأما التفسير، فقوله تعالى :﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ المعنى : واذكر ذلك. وفي موسى قولان :
أحدهما : أنه موسى بن عمران، قاله الأكثرون. ويدل عليه ما روي في " الصحيحين " من حديث سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى نبي إسرائيل هو موسى صاحب الخضر، قال : كذب عدو الله، أخبرني أبي بن كعب. . . فذكر الحديث الذي قدمناه آنفاً.
والثاني : أنه موسى بن ميشا، قاله ابن إسحاق، وليس بشيء، للحديث الصحيح الذي ذكرناه. فأما فتاه فهو يوشع بن نون من غير خلاف. وإنما سمي فتاه، لأنه كان يلازمه، ويأخذ عنه العلم، ويخدمه.
ومعنى ﴿لا أَبْرَحُ﴾ : لا أزال. وليس المراد به : لا أزول، لأنه إذا لم يزل لم يقطع أرضاً، فهو مثل قولك : ما برحت أناظر عبد الله، أي : ما زلت، قال الشاعر :
| إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة | وتحمل أخرى أفرحتك الودائع |
أثقلتك، والمعنى : لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، أي : ملتقاهما، وهو الموضع الذي وعده الله بلقاء الخضر فيه، قال قتادة : بحر فارس، وبحر الروم، فبحر الروم نحو المغرب، وبحر فارس نحو المشرق.
وفي اسم البلد الذي بمجمع البحرين قولان :
أحدهما : إفريقية، قاله أبي بن كعب.
والثاني : طنجة، قاله محمد بن كعب القرظي.
قوله تعالى :﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ وقرأ أبو رزين، والحسن، وأبو مجلز، وقتادة، والجحدري، وابن يعمر :" حقباً " بإسكان الكاف. قال ابن قتيبة : الحقب : الدهر، والحقب : السنون، واحدتها حقبة، ويقال : حقب وحقب، كما يقال : قفل وقفل، وهزؤ وهزؤ، وكفؤ وكفؤ، وأكل وأكل، وسحت وسحت، ورعب ورعب، ونكر ونكر، وأذن وأذن، وسحق وسحق، وبعد وبعد، وشغل وشغل، وثلث وثلث، وعذر وعذر، ونذر ونذر، وعمر وعمر.
وللمفسرين في المراد بالحقب هاهنا ثمانية أقوال :
أحدها : أنه الدهر، قاله ابن عباس.
والثاني : ثمانون سنة، قاله عبد الله ابن عمرو، وأبو هريرة.
والثالث : سبعون ألف سنة، قاله الحسن.
والرابع : سبعون سنة، قاله مجاهد.
والخامس : سبعة عشر ألف سنة، قاله مقاتل بن حيان.
والسادس : أنه ثمانون ألف سنة، كل يوم ألف سنة من عدد الدنيا.
والسابع : أنه سنة بلغة قيس، ذكرهما الفراء.
والثامن : الحقب عند العرب وقت غير محدود، قاله أبو عبيدة. ومعنى الكلام : لا أزال أسير، ولو احتجت أن أسير حقبا.