محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ( ٨٢ )﴾.
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾، أي قوتهما وكمال الرأي ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ ليتصرفا فيه ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ أي تفضل بها عليهما. و ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول له. أو مصدر مؤكد ل ﴿أَرَادَ﴾ فإن إرادة الخير رحمة ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ﴾ أي ما رأيت مني ﴿عَنْ أَمْرِي﴾ أي عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله تعالى ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ أي من الأمور التي رأيتها. أي مآله وعاقبته. قال أبو السعود ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى العواقب المنظومة في سلك البيان. وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجتها في الفخامة. و ﴿تَسْطِع﴾ مخفف ( تستطع ) بحذف التاء.
تنبيهات :
في بعض ما اشتمل عليه هذا النبأ من الأحكام واللطائف والفوائد الساميات :
الأول : قال السيوطي في ( الإكليل ) : في هذه الآيات أنه لا بأس بالاستخدام واتخاذ الرفيق والخادم في السفر. واستحباب الرحلة في طلب العلم. واستزادة العالم من العلم واتخاذ الزاد للسفر، وأنه لا ينافي التوكل. ونسبة النسيان، ونحوه من الأمور المكروهة، إلى الشيطان، مجازا وتأدبا عن نسبتهما إلى الله تعالى. وتواضع المتعلم لمن يتعلم منه ولو كان دونه في المرتبة. واعتذار العالم إلى من يريد الأخذ عنه في عدم تعليمه مما لا يحتمله طبعه. وتقديم المشيئة في الأمر، واشتراط المتبوع على التابع. وأنه يلزم الوفاء بالشروط. وأن النسيان غير مؤاخذ به. وأن ( للثلاث ) اعتبارا في التكرار ونحوه. وأنه لا بأس بطلب الغريب الطعام والضيافة. وأن صنع الجميل لا يترك ولو مع اللئام. وجواز أخذ الأجر على الأعمال. وأن المسكين لا يخرج عن المسكنة بكونه له سفينة أو آلة يكتسب بها، أو شيء لا يكفيه. وأن الغصب حرام. وأنه يجوز إتلاف بعض مال الغير، أو تعييبه، لوقاية باقية، كمال المودع واليتيم. وإذا تعارض مفسدتان ارتكب الأخف. وأن الولد يحفظ بصلاح أبيه. وأنه تجب عمارة ما يخاف منه، ويحرم إهمالها إلى أن تخرب. وأنه يجوز دفن المال في الأرض. انتهى.
وقال البيضاوي : ومن فوائد هذه القصة أن لا يعجب المرء بعلمه. ولا يبادر إلى إنكار ما لم يستحسنه، فلعل فيه سرا لا يعرفه. وأن يداوم على التعلم، ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقال. وأن ينبه المجرم على جرمه، ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره، ثم يهاجر عنه. انتهى.
ومن فوائد الآية – كما في ( فتح الباري ) – استحباب الحرص على لقاء العلماء وتجشم المشاق في ذلك. وإطلاق ( الفتى ) على التابع واستخدام الحر. وطواعية الخادم لمخدومه. وعذر الناس. وجواز الإخبار بالتعب، ويلحق به الألم من مرض ونحوه. ومحل ذلك إذا كان على غير سخط من المقدور. ومنها أن المتوجه إلى ربه يعان، فلا يسرع إليه النصب. وفيها جواز طلب القوت. وطلب الضيافة. وقيام العذر بالمرة الواحدة، وقيام الحجة بالثانية. وفيها حسن الأدب مع الله وأن لا يضاف إليه ما يستهجن لفظه، وإن كان الكل بتقديره وخلقه، لقول الخضر عن السفينة ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وعن الجدار ﴿فأراد ربك﴾ ومثل هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم :( والخير بيديك والشر ليس إليك ) انتهى.
ومن فوائدها إطلاق ( القرية ) على ( المدينة ) لقوله :﴿أَهل قرية﴾ ثم قوله :﴿لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾.
الثاني : ذكر الناصر في ( الإنتصاف ) : شذرات من لطائف بعض الآي المذكورة. فنأثرها عنه.
قال عليه الرحمة : ورد في الحديث أن موسى عليه السلام لم ينصب، ولم يقل : لقد لقينا ممن سفرنا هذا نصبا، إلا منذ جاوز الموضع الذي حده الله تعالى له. فلعل الحكمة في إنساء يوشع أن يتيقظ موسى عليه السلام، لمنة الله تعالى على المسافر في طاعة وطلب علم، بالتيسير عليه وحمل الأعباء عنه. وتلك سنة الله الجارية في حق من صحت له نية في عبادة من العبادات، أن ييسرها، ويحمل عنه مؤنتها، ويتكفل به ما دام على تلك الحالة. وموضع الإيقاظ أنه وجد بين حالة سفره للموعد وحالة مجاوزته، بونا بينا، والله أعلم وإن كان موسى عليه السلام متيقظا لذلك، فالمطلوب إيقاظ غيره من أمته، بل من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، إذ قص عليهم القصة. فما أورد الله تعالى قصص أنبيائه ليسمر بها الناس، ولكن ليشمر الخلق لتدبرها واقتباس أنوارها ومنافعها، عاجلا وآجلا. والله أعلم.
ثم قال عليه الرحمة : ومما يدل على أن موسى عليه السلام إنما حمله على المبادرة بالإنكار، الإلتهاب والحمية للحق، أنه قال حين خرق السفينة ﴿أخرقتها لتغرق أهلها﴾، ولم يقل ( لتغرقنا ) فنسي نفسه واشتغل بغيره، في الحالة التي كل أحد فيها يقول ( نفسي نفسي ) لا يلوي على مال ولا ولد. وتلك حالة الغرق. فسبحان من جبل أنبياءه وأصفياءه على نصح الخلق والشفقة عليهم والرأفة بهم. صلوات الله عليهم أجمعين، وسلامه.
ثم قال عليه الرحمة على قول الزمخشري فإن قلت قوله :﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ مسبب عن خوف الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخر عن السبب، فلم قدم عليه ؟ ( قلت ) النية به التأخير. وإنما قدم للعناية. ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلة قولك. ( زيد ظني مقيم ).
فقال عليه الرحمة : كأنه جعل السبب في إعابتها كونها لمساكين. ثم بين مناسبة هذا السبب للمسبب، بذكر عادة الملك في غصب السفن. وهذا هو حد الترتيب في التعليل أن يرتب الحكم على السبب، ثم يوضح المناسبة فيما بعد. فلا يحتاج إلى جعله مقدما، والنية تأخيره. والله أعلم.
ثم قال : ولقد تأملت من فصاحة هذه الآي، والمخالفة بينها في الأسلوب عجبا. ألا تراه في الأولى أسند الفعل إلى ضميره خاصة بقوله :﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وأسنده في الثانية إلى ضمير الجماعة والمعظم نفسه في قوله :﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾، ﴿فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا﴾ ولعل إسناد الأول إلى نفسه خاصة من باب الأدب مع الله تعالى، لأن المراد ( ثم عبت ) فتأدب بأن نسب الإعابة إلى نفسه. وأما إسناد الثاني إلى الضمير المذكور فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك ( أمرنا بكذا أو دبرنا كذا ) وإنما يعنون ( أمر الملك ودبر ) ويدل على ذلك قوله في الثالثة :﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ فانظر كيف تغايرت هذه الأساليب، ولم تأت على نمط واحد مكرر، يمجها السمع وينبو عنها، ثم انطوت هذه المخالفة على رعاية الأسرار المذكورة. فسبحان اللطيف الخبير.
الثالث : قال الخفاجي : في إعادة لفظ ( الأهل ) هنا، يعني في قوله تعالى :﴿استطعما أهلها﴾ إثر قوله :﴿أتيا أهل قرية﴾ سؤال مشهور. وقد نظمه الصلاح الصفدي سائلا عنه السبكي في قصيدة منها :
رأيت كتاب الله أعظم معجزلأفضل من يهدى به الثقلان
ومن جملة الإعجاز كون اختصارهبإيجاز ألفاظ وبسط معاني
ولكنني في ( الكهف ) أبصرت آيةبها الفكر، في طول الزمان عناني
وما هي إلا ( استطعما أهلها ) فقدنرى ( استطعماهم ) مثله ببيان
فما الحكمة الغراء في وضع ظاهرمكان ضمير ؟ إن ذاك لشان
يعني أنه عدل عن الظاهر بإعادة لفظ ( أهل ) ولم يقل ( استطعماها ) لأنه صفة القرية. أو ( استطعماهم ) لأنه صفة ( أهل ) فلا بد له من وجه. وقد أجابوا عنه بأجوبة مطولة نظما ونثرا. والذي تحرر فيه أنه ذكر ( الأهل ) أولا ولم يحذف إيجازا، سواء قدر أو تجوز في القرية، كقوله :﴿واسئل القرية﴾ لأن الإتيان ينسب للمكان. نحو ( أتيت عرفات ) ولمن فيه نحو ( أتيت بغداد ) فلو لم يذكر كان فيه التباس مخل. فليس ما هنا نظير تلك الآية لامتناع سؤال نفس القرية، فلا يستعمل استعمالها. وأما ( الأهل ) الثاني فأعيد لأنه غير الأول. وليست كل معرفة أعيدت عينا كما بينوه. لأن المراد به بعضهم. إذ سؤالهم فردا فردا مستبعد. فلو لم يذكر، فهم غير المراد. أما لو قيل :( استطعامهم ) فظاهر. وأما لو قيل ( استطعمها ) فإن النسبة إلى المحل تفيد الاستيعاب، كما ّأثبتوه في محله. وأما إتيان جميع القرية فهو حقيقة في الوصول إلى بعض منها. كما يقال :( زيد في البلد ) أو ( في الدار ) وقيل : إن الأهل أعيد للتأكيد كقوله :
ليت الغراب غداة ينعب بينناكان الغراب مقطع الأوداج
أو لكراهة اجتماع ضميرين متصلين، لبشاعته واستطالته، وثمة أجوبة أخرى.
الرابع : أبدى بعضهم سرا للتعبير أولا ( بتستطع ) ثم أخيرا ( بتسطع ) بحذف التاء قال : لما أن فسر الخضر لموسى، وبين له تأويل ما لم يصبر معه، ووضحه وأزال المشكل، قال ( تسطع ) بحذف التاء، وقبل ذلك كان الإشكال قويا ثقيلا. فقال :﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ فقابل الأثقل بالأثقل والأخف بالأخف. كما قال :﴿فما اسطاعوا أن يظهروه﴾ وهو الصعود إلى أعلاه، ﴿وما استطاعوا له نقبا﴾ وهو أشق من ذلك فقابل كلا بما يناسبه لفظا ومعنى. انتهى.
وقال الشهاب : وإنما خص هذا بالتخفيف لأنه لما تكرر في القصة ناسب تخفيف الأخير منه. وأما كونه للإشارة إلى أنه خف على موسى ﷺ ما لقيه ببيان سببه – فيبعد أنه في الحكاية، لا المحكي. انتهى.
وما ألطف قول الشهاب في مثله : هذه زهرة لا تحتمل هذا الفرك.
الخامس : قال الإمام السبكي رحمه الله : ما فعله الخضر عليه الصلاة والسلام من قتل الغلام لكونه طبع كافرا، مخصوص به. لأنه أوحي إليه أن يعمل بالباطن، وخلاف الظاهر الموافق للحكمة. فلا إشكال فيه. وإن علم من الشريعة أنه لا يجوز قتل صغير لاسيما بين أبوين مؤمنين. ولو فرضنا أن الله أطلع بعض أوليائه، كما أطلع الخضر عليه السلام، لم يجز له ذلك. وما ورد عن ابن عباس ( لما كتب إليه نجدة الحروي : كيف قتله وقد نهى النبي ﷺ عن قتل الولدان ؟ فكتب إليه : إن كنت علمت من حال الولدان، ما علمه عالم موسى، فلك أن تقتل ) فإنما قصد به ابن عباس المحاجة والإحالة على ما لم يمكن قطعا، لطمعه في الاحتجاج بقصة الخضر عليه الصلاة والسلام. وليس مقصوده أنه إن حصل ذلك يجوز. لأنه لا تقتضيه الشريعة. وكيف يقتل بسبب لم يحصل ؟ والمولود لا يوصف بكفر حقيقي ولا إيمان حقيقي. وقصة الخضر تحمل على أنه كان شرعا مستقلا به. وهو نبي. وليس في شريعة موسى أيضا، ولذا أنكره. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : وأما من استدل به على جواز دفع أغلظ الضررين بأخفهما، فصحيح. لكن فيما لا يعارض منصوص الشرع. فلا يسوغ الإقدام على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفسا كثيرة، قبل أن يتعاطى شيئا من ذلك. وإنما فعل الخضر ذلك لإطلاع الله تعالى عل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى