البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وتفصيل ذي القرنين ﴿أما من ظلم﴾ و ﴿أما من آمن﴾ يدفع هذا القول ولما خيره تعالى بين تعذيبهم ودعائهم إلى الإسلام اختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم.
فقال : أما من دعوته فأبى إلاّ البقاء على الظلم وهو الكفر هنا بلا خلاف فذلك هو المعذب في الدارين، وأما من آمن وعمل ما يقتضيه الإيمان فله جزاء الحسنى.
وأتى بحرف التنفيس في ﴿فسوف نعذبه﴾ لما يتخلل بين إظهاره كفره وبين تعذيبه من دعائه إلى الإيمان وتأبيه عنه، فهو لا يعاجلهم بالقتل على ظلمهم بل يدعوهم ويذكرهم فإن رجعوا وإلاّ فالقتل.
وقوله ﴿ثم يرد إلى ربه﴾ أي يوم القيامة وأتى بنون العظمة في ﴿نعذبه﴾ على عادة الملوك في قولهم نحن فعلنا.
وقوله ﴿إلى ربه﴾ فيه إشعار بأن التخيير لذي القرنين ليس من الله تعالى، إذ لو كان كذلك لكان التركيب ثم يرد إليك فتعذبه، ولا يبعد أن يكون التخيير من الله ويكون قد أعلم ذو القرنين بذلك أتباعه ثم فصل مخاطباً لأتباعه لا لربه تعالى، وما أحسن مجيء هذه الجمل لما ذكر ما يستحقه من ظلم بدأ بما هو أقرب لهم ومحسوس عندهم، وهو قوله ﴿فسوف نعذبه﴾ ثم أخبر بما يلحقه آخراً يوم القيامة وهو تعذيب الله إياه العذاب النكر ولأن الترتيب الواقع هو كذا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى